حرب إنهاء الاحتلال الإيراني في لبنان
كتبت إليسا الهاشم :
نعم يا سادة، لم يعد ممكناً التعامل مع ما جرى عبر السنوات الماضية وما يحدث اليوم في لبنان على أنه مجرد نفوذ إيراني متقدم أو دعم لحزب ادعى لسنوات أنه لبناني. اسمه الحقيقي: احتلال إيراني مكتمل الأركان.
فالأحداث المتسارعة في الأسابيع الأخيرة كشفت، بما لا يقبل الشك، حجم الاختراق العسكري والأمني الذي مارسه الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، إلى درجة بات فيها واضحاً للعالم ان القرار العسكري والسياسي المتعلق بالحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة اللبنانية.
لم يعد الأمر، كما حاولت السردية الكلاسيكية لحزب الله ومندوبي إيران تصويره، مجرد دعم سياسي أو لوجستي لحزب محلي، بل بات وجوداً عسكرياً مباشراً، معلَناً صراحة ومن دون خجل وقيادة عمليات من قبل ضباط إيرانيين على الأرض اللبنانية.
في الأيام الماضية، اكدت سلسلة من المعطيات الميدانية هذا الواقع.
حزب الله دخل الحرب بأوامر مباشرة من طهران، رغم تصريحات الرئيس اللبناني والحكومة المتكررة بأن لبنان سيبقى على الحياد ولن يشارك في الحرب. هذا التصرف يؤكد أن القرار لم يكن لبنانياً، بل فرضه الاحتلال الإيراني على أرض الدولة اللبنانية.
كما كشفت المعلومات أن ضباطاً من الحرس الثوري - فيلق القدس كانوا يديرون العمليات العسكرية لحزب الله ويشرفون مباشرة على التخطيط الاستراتيجي وإعادة بناء قدراته العسكرية بعد الضربات التي تعرض لها.
بل إن الجيش الإسرائيلي أعلن أيضاً مقتل القائد الإيراني المسؤول عن نشاط الحرس الثوري في لبنان، داوود علي زاده، مؤكداً أنه كان الشخص الذي دفع حزب الله إلى فتح جبهة الحرب ضد إسرائيل.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد.
ففي مطلع آذار، وجه الجيش الإسرائيلي إنذاراً مباشراً إلى ممثلي النظام الإيراني في لبنان، مطالباً إياهم بمغادرة البلاد فوراً، مهدداً باستهدافهم أينما وجدوا. وبعد هذا الإنذار، فرّ عشرات من ضباط الحرس الثوري من بيروت خلال 48 ساعة.
إن مجرد وجود هذا العدد من الضباط الإيرانيين الذين يديرون العمليات العسكرية داخل لبنان، ويصدرون القرارات للحرب، هو تعريف قانوني وسياسي واضح للاحتلال.
السبب الأساسي الذي دفع طهران إلى هذا التدخل المباشر يعود إلى الضربات التي طالت القيادة العسكرية لحزب الله خلال العامين الماضيين.
فبعد القضاء على حسن نصرالله، ثم هاشم صفي الدين، وتفكيك قوة الرضوان التي كانت الذراع الهجومية للحزب، دخلت منظومة القيادة في الحزب في حالة فراغ غير مسبوقة.
هذا الفراغ لم تستطع البنية الداخلية للحزب تعويضه، ما دفع إيران إلى إرسال ضباط وقادة استخبارات من الحرس الثوري لإدارة العمليات مباشرة على الأراضي اللبنانية.
بمعنى آخر، لم يعد حزب الله مجرد وكيل لإيران.
بل أصبح فرعاً عملياتياً للحرس الثوري داخل لبنان.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو أن هذا الاختراق حصل في ظل دولة لبنانية عاجزة أو متواطئة.
فحدود البلاد بقيت مفتوحة أمام تدفق الضباط الإيرانيين.
وشبكات التمويل وغسيل الأموال المرتبطة بالحزب استمرت بالعمل بحرية.
والاقتصاد الموازي الذي يمول هذه المنظومة ظل خارج أي رقابة فعلية.
وكل ذلك جرى في ظل سلطة سياسية سمحت بأن تتحول أراضي لبنان إلى منصة عسكرية إيرانية على حدود إسرائيل.
ورغم التحولات السياسية التي شهدها لبنان بعد الحرب، ورغم خطاب القسم لرئيس الجمهورية وما تضمنه من تأكيد واضح على حصر السلاح بيد الدولة واستعادة السيادة اللبنانية، وكذلك البيان الوزاري الذي كرر هذا الالتزام أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، فإن سلوك النظام الإيراني لم يتغير.
فعلى العكس، استمرت طهران في التعامل مع لبنان كأنه ساحة نفوذ تابعة لها، غير آبهة لا بمؤسسات الدولة ولا بالالتزامات السيادية التي أعلنتها السلطة اللبنانية.
فقد توالت زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بيروت، وتصاعدت الخطابات التي تقدم لبنان باعتباره جزءاً من “محور المقاومة”، فيما واصلت الدعاية الإيرانية الترويج لفكرة أن إيران لا تزال موجودة على بعد كيلومترات قليلة من حدود إسرائيل عبر وجودها في لبنان.
هذه الرسائل كانت تحدياً مباشراً لسيادة الدولة اللبنانية، وإعلاناً واضحاً بأن النظام الإيراني ما زال يعتبر لبنان قاعدة أمامية لمشروعه الإقليمي.
الأمر لا يقتصر على السلاح.
فالنفوذ الإيراني في لبنان اتخذ أيضاً شكلاً سياسياً مؤسسياً.
فحزب الله لا يزال:
ممثلاً في الحكومة
حاضراً في مجلس الوزراء
يملك كتلة نيابية في البرلمان
يتمتع بحصانات سياسية
وله مستشارون داخل القصر الجمهوري
أي أن التنظيم المسلح المرتبط بالحرس الثوري الإيراني ما زال جزءاً من بنية الحكم نفسها.
وما يزيد المشهد خطورة أن الدولة اللبنانية التزمت، ضمن التفاهمات الدولية، بنزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانية قبل 31 كانون الأول 2025.
لكن هذا الالتزام لم يُنفذ.
حتى جنوب الليطاني، الذي يفترض أن يكون خالياً من السلاح غير الشرعي، استمر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة منه باتجاه إسرائيل.
وهذا وحده دليل واضح على أن:
التقارير التي قُدمت حول انتشار الجيش اللبناني كانت مضللة أو غير دقيقة
الدولة لم تكن قادرة فعلياً على فرض سيادتها
المجتمع الدولي تلقى صورة غير واقعية عن الوضع الأمني
وهو ما كاد يقود إلى عقد مؤتمر دولي في باريس لدعم المؤسسات اللبنانية قبل أن تنكشف حقيقة ما يجري.
إذا كانت العمليات العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد فتحت الباب أمام تحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الحرب.
فالتحرير العسكري لا يكفي.
ما يحتاجه لبنان هو عملية سياسية شاملة لاجتثاث النفوذ الإيراني من مؤسسات الدولةوإصلاح النظام السياسي لمنع أي تنظيم مسلح من المشاركة في الحكم مع إطلاق مسار قانوني لمحاسبة المسؤولين عن جر لبنان إلى الحروب.
اليوم، ومع انكشاف حجم التدخل الإيراني، يقف لبنان أمام لحظة تاريخية فإما أن تستعاد الدولة بكل ما تعنيه السيادة من قرار وسلاح وحدود، أو أن ينهار لبنان ككيان مستقل.
إن إنهاء الاحتلال الإيراني هو الشرط الأول لعودة لبنان دولة طبيعية في محيطه العربي والدولي.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|