ركائز حزب الله الخمس: هل تسقط؟
لم يكن حزب الله في لبنان مجرد تنظيم مسلح يعيش على هامش الدولة، بل منظومة متكاملة قامت طوال عقود على خمسة ركائز أساسية: دعم إقليمي صلب تقوده إيران ويؤمّن له العمق اللوجستي عبر سوريا، شبكة مالية مساعدة تقوم على التهريب وتبييض الأموال، غطاء سياسي داخلي يحميه في السلطة، بيئة شعبية حاضنة متمركزة في جغرافيا مغلقة وترسانة عسكرية ضخمة تفرض معادلاته بالقوة.
اليوم، ومع اشتداد الحرب في المنطقة وتحوّل لبنان مجددًا إلى ساحة، تترنّح هذه الركائز الواحدة تلو الأخرى، كاشفة حزب الله في لحظة ضعف غير مسبوقة.
أولاً: الركيزة الإقليمية تتصدّع:
لطالما كان الحزب جزءًا من منظومة إقليمية تقودها إيران، وتؤمّن لها دمشق ممراً استراتيجياً للسلاح والمال. لكن هذه المعادلة لم تعد كما كانت. إيران نفسها تتعرض لضربات قاسية، وقيادتها السياسية والعسكرية تهتز تحت وقع الاستهداف المباشر، فيما سقط النظام السوري الذي شكّل لسنوات طويلة الشريان اللوجستي الأساسي للحزب.
بهذا المعنى، لم يعد حزب الله يمتلك العمق الإقليمي ذاته الذي مكّنه طوال السنوات الماضية من ترسيخ حضوره العسكري والمالي في لبنان.
ثانياً: الخناق المالي يشتد:
الركيزة الثانية كانت دائماً مالية – اقتصادية: شبكات تهريب، تجارة الكبتاغون، تبييض الأموال، وتحويلات من الخارج عبر منظومات مالية موازية. لكن هذه المنظومة بدأت تتفكك تدريجياً تحت ضغط العقوبات الدولية والتشديد على شبكات التمويل وسقوط الرئيس مادورو في فنزويلا.
وفي هذا السياق، جاء البيان الأخير للناطق باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي ليعيد تسليط الضوء على مؤسسة “القرض الحسن”، التي تُتهم بأنها إحدى القنوات المالية التي يستخدمها الحزب للالتفاف على النظام المصرفي والعقوبات. البيان حذّر اللبنانيين من التعامل مع هذه المؤسسة، معتبراً أنها تشكل جزءًا من البنية المالية للحزب وتُستخدم لتمويل أنشطته.
سواء اتفق اللبنانيون مع مضمون هذا الاتهام أو رفضوه، فإن المؤكد أن الضغوط الدولية على البنية المالية للحزب تتصاعد، وأن شبكات التمويل التي اعتمد عليها لسنوات لم تعد تعمل بالسهولة نفسها.
ثالثاً: الغطاء السياسي يتآكل:
ربما كان أخطر ما يفقده الحزب اليوم هو الغطاء السياسي الداخلي.
ففي مرحلة سابقة، تمكن من تأمين مظلة واسعة داخل النظام اللبناني، شملت حلفاء مسيحيين وسنّة وشيعة، إضافة إلى وجود وازن في السلطة التنفيذية.
لكن هذه المظلة بدأت تتصدع. الغطاء المسيحي تراجع إلى حد كبير مع التيار الوطني الحر، فيما برز تطور لافت في الموقف الشيعي الرسمي نفسه، مع تصويت وزراء حركة أمل، الحليف الأكبر للحزب إلى جانب قرارات حكومية تتجه نحو حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب بعد زج لبنان في الحرب.
وفوق ذلك، فقد الحزب عناصر القوة داخل السلطة، لا رئيس جمهورية حليف له، ولا رئيس حكومة يدور في فلكه، ولا أكثرية وزارية قادرة على تعطيل القرارات.
بهذا المعنى، يجد حزب الله نفسه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة في موقع سياسي أكثر عزلة، بعدما كان لاعبًا مركزيًا يفرض إيقاعه على مؤسسات الدولة.
رابعاً: القوة العسكرية لم تعد كما كانت:
أما الركيزة الرابعة، وهي الأهم بالنسبة للحزب، فكانت دائمًا ترسانته العسكرية الضخمة.
لكن الحرب الأخيرة ألحقت بهذه القوة ضربات موجعة. فقد الحزب جزءًا كبيرًا من قدراته الصاروخية، وتعرضت بنيته القيادية لسلسلة استهدافات أدت إلى خسارة عدد من أبرز قادته، وصولًا إلى فقدانه أمينه العام حسن نصرالله.
هذه الخسائر لا تعني نهاية الحزب عسكريًا، لكنها تعني بالتأكيد أن التوازنات التي بناها طوال عقود لم تعد كما كانت.
خامساً: البيئة الحاضنة تتآكل:
الركيزة الخامسة التي طالما استند إليها حزب الله كانت بيئته الشعبية. هذه البيئة لم تكن مجرد جمهور انتخابي، بل قاعدة اجتماعية صلبة احتضنت مشروعه ووفّرت له الغطاء الشعبي في أحلك الظروف. غير أن المؤشرات الآتية من الداخل الشيعي نفسه توحي بأن هذا العامل لم يعد ثابتاً كما كان.
فمع اتساع دائرة الحرب وتكرار موجات النزوح والدمار، بدأت تظهر ملامح تململ داخل هذه البيئة، وهو ما ينعكس بوضوح في النقاشات المتزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي حالة الإرهاق التي تعيشها المجتمعات المحلية.
إلى ذلك، تتعرض الجغرافيا التي شكّلت تاريخياً عمق الحزب الشعبي لضغط غير مسبوق. فجنوب الليطاني يشهد نزوحاً واسعاً بفعل العمليات العسكرية، كما أن الضاحية الجنوبية لبيروت لم تعد بمنأى عن الاستهدافات والإنذارات، ما يدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى مغادرة هذه المناطق بحثاً عن الأمان.
وبذلك، لا يواجه الحزب فقط خسائر عسكرية وسياسية، بل يواجه أيضاً تآكلاً تدريجياً في البيئة التي شكّلت على مدى سنوات طويلة خط دفاعه الاجتماعي الأول.
في المحصلة، يواجه حزب الله اليوم واقعًا مختلفًا جذريًا عن السنوات الماضية.
الدعم الإقليمي يهتز، الشبكات المالية تتعرض للحصار، الغطاء السياسي يتآكل، والقوة العسكرية تتلقى ضربات قاسية.
عندما تتصدع الركائز الخمس في وقت واحد، لا يعود السؤال عن قدرة الحزب على فرض معادلاته في لبنان فحسب، بل عن قدرته أساسًا على الحفاظ على الموقع الذي بناه طوال عقود.
إنها لحظة سقوط كبرى، لحظة يتبدل فيها ميزان القوة في لبنان والمنطقة، ويجد فيها حزب الله نفسه ربما للمرة الأولى وحيدًا ضعيفًا.
المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|