التحويلات : 7 مليارات دولار سنوياً... هل تتراجع الآتية من الخليج؟
طريق السلام يمرّ في طهران والضاحية
أوّل شباط 1979 عاد الإمام الخميني إلى طهران. انقلب المشهد السياسي والديني في إيران والشرق الأوسط عندما وصل إلى مطار مهرآباد على متن طائرة فرنسية، بعد 15 عامًا أمضاها في المنافي بين العراق وتركيا وفرنسا، حيث كانت إقامته الأخيرة في "نوفل لوشاتو". اليوم بعد 56 عامًا تشهد المنطقة انقلابًا معاكسًا منذ أعلنت جمهورية الملالي فتح الطريق نحو الحرب الكبرى مع إسرائيل. اليوم يبدو أن طريق السلام بات يمر في طهران في الاتجاه المعاكس لتاريخ تلك الثورة التي تواجه خطر الأفول.
بعد عودته وإعلان الجمهورية الإسلامية في 15 شباط سارع معظم زعماء الدول العربية والإسلامية للقاء الخميني، ومن بينهم رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات. أُنزِل العلم الإسرائيلي عن مقرّ السفارة الإسرائيلية ورُفع مكانه العلم الفلسطيني. دخل "الثوار" السفارة الأميركية واحتجزوا الدبلوماسيين رهائن. اليوم بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الحرب ضد إيران في 28 شباط الماضي، باتت تصطف معظم الدول العربية مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في الحرب. ثمة انقلاب معاكس يحدث في المنطقة أكبر من الزلزال الذي أحدثته عودة الخميني. بين الإمام الأول والولي الفقيه الأول، وبين مجتبى خامنئي القائد الثالث للجمهورية الإسلامية ووريث والده الولي الفقيه الثاني، ثمة تاريخ جديد يُكتب لإيران بالدم، وربّما هي لحظة اقتراب نهاية تلك الثورة التي أشعلت حروبًا لم تنتهِ بعد، وخلقت صراعات وهدّدت دولًا وأنظمة، واعتقدت أنها صانعة التاريخ، واكتشفت فجأة أنها ضحية هذا الاستغراق في الوهم الكبير حيث اعتقد قادتها أنهم أكبر من أن يُهزموا بانتظار تحقيق معجزة عودة الإمام المهدي المنتظر.
طريق السلام الطويل
كانت الجمهورية الإسلامية في إيران تسير عكس منطق السلام في الشرق الأوسط. في 17 أيلول 1978 وقع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن، في البيت الأبيض في واشنطن، اتفاقية كامب دايفد بحضور ورعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر كشاهد، بعد اثني عشر يومًا من المفاوضات السرية، في المنتجع الريفي لرئيس الولايات المتحدة في ولاية ماريلاند. في ذلك التاريخ كانت شوارع طهران تمتلئ بالتظاهرات المعارضة للشاه والمؤيّدة للخميني. في 16 كانون الثاني 1979 غادر الشاه إيران في طائرة قادها بنفسه إلى القاهرة. في 27 آذار أعلنت مصر وإسرائيل معاهدة السلام بينهما التي نصت على استعادة مصر منطقة سيناء المحتلة منذ عام 1967 كاملة عام 1982، وتفكيك المستوطنات، مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، وإقامة سلام دائم بين البلدين. بعد أربعة أيام فقط كان يتم إعلان قيام الجمهورية الإسلامية رسميًا في إيران.
الشاه والسادات ورابين وعرفات
في 27 تموز 1980 مات الشاه في المنفى المصري. وفي 6 تشرين الأول 1981 اغتال متشددون إسلاميون الرئيس السادات وعلى رغم ذلك لم تسقط معاهدة السلام. على العكس سار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على هذا الدرب بتوقيع اتفاقات أوسلو مع رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين برعاية وشهادة الرئيس الأميركي بل كلينتون، وهي الاتفاقات التي أسّست للسلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية.
في 26 تشرين الأول 1994 وقع الملك حسين عاهل الأردن ورابين اتفاقيات وادي عربة التي أنهت حال الحرب يين البلدين. وكما اغتيل السادات اغتال متشدّد يهودي رابين في 4 تشرين الثاني 1995. ولكن اتفاقات السلام بقيت صامدة.
في 31 أيار 1974 وقع النظام السوري برئاسة حافظ الأسد مع إسرائيل اتفاقية فصل القوات التي استعاد فيها الأسد مدينة القنيطرة في الجولان، ومنذ ذلك التاريخ لم تطلق رصاصة واحدة على الجبهة السورية الإسرائيلية. وحدها الجبهة بين لبنان وإسرائيل بقيت مشتعلة.
جبهة واحدة مشتعلة
صحيح أن لبنان لم ينخرط مباشرة في حرب 1967 وحرب 1973، ولكنه تحوّل إلى ساحة الصراع الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل. بعد اجتياح 1982 وطرد منظمة التحرير الفسطينية من لبنان التزم "حزب الله" بعد عام 1990، شغف الحرب المفتوحة ضد إسرائيل. في 13 أيلول 1993 كان "الحزب" يحرّك التظاهرة الوحيدة في العالم العربي ضد اتفاقيات أوسلو. اليوم بعد 33 عامًا لا يزال يقاتل ضد هذا السلام وينخرط في الحروب المتكرّرة ضدّ إسرائيل.
لم يكن من الممكن تصوّر أن يحصل مثل هذا الأمر. دول السعودية والكويت والإمارات العربية وقطر والبحرين وسوريا تقف في الجبهة التي تقودها واشنطن في الحرب مع إيران إلى جانب إسرائيل، بينما "حزب الله" يزجّ لبنان وحده في الحرب إلى جانب إيران.
دفاعًا عن إيران لا لبنان
في منطق الحرب التي أعلنها الرئيس ترامب بالتكامل والتضامن مع نتنياهو، ضد نظام الولي الفقيه في إيران، بات طريق السلام يمرّ عبر طهران وعبر إسقاط ذلك النظام أو تغيير سلوكه. وبالتالي بات من المحتم أن يكون طريق هذا السلام يمرّ أيضًا في الضاحية الجنوبية بعدما ربط "الحزب" مصيره بمصير النظام في إيران، وأعلن أنه يقاتل دفاعًا عنه، وفتح الحرب ضد إسرائيل بعدما كان وافق على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 الذي نصّ على نزع سلاحه. ولكنه استغل كل هذا الوقت ليعيد تجهيز نفسه لمثل هذا القرار والعودة إلى الحرب. وهو بذلك يسلك الطريق نفسه الذي سلكه في حرب تموز 2006 عندما كان محاصرًا بالقرار 1559 وبالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. ذهب إلى فتح الحرب مع إسرائيل ليحمي وجوده وسلاحه ضد السلطة اللبنانية. وهو اليوم في هذه الحرب يرد بالنار على قراري مجلس الوزارء في 5 و7 آب 2025 بنزع سلاحه، وقرار اعتباره خارجًا عن القانون وحظر نشاطه العسكري والأمني في 2 آذار 2026. لذلك يبدو خيار التمهيد للتفاوض مع إسرائيل سواء لإنهاء حال الحرب أو للسلام، يجب أن يمرّ حكمًا بـ "الحزب" والضاحية الجنوبية. إذا بقي الحزب متمرّدًا ومحتفظًا بقوته العسكرية والأمنية لن تتمكّن السلطة من فتح الطريق نحو التفاوض. فـ "الحزب" هو الذي يسمح أو لا يسمح. والعكس أيضًا صحيح. طريق السلام يمرّ في الضاحية حتمًا وفي طهران أيضًا بعدما تكون عقبة "الحزب" والنظام الحالي في إيران قد أزيلت. فلا يعقل أن يبقى لبنان وحده من بين الدول العربية أِسير قرار "حزب الله" في دعم إيران في الحرب ضد إسرائيل بينما تنخرط الدول العربية الأخرى في الحرب ضد إيران.
نجم الهاشم -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|