حزام أمني جديد: أين أصبحت إسرائيل داخل الجنوب؟
تفرض إسرائيل وقائع ميدانية جديدة على الأرض. ما لم تحققه في حرب الـ 66 يوماً في العام 2024، تسعى لاستكماله اليوم. و"إن استطاعت" تريد إسرائيل احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، بعد أن أصبحت نيتها بإقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع لبنان، علنية. الخمس نقاط محتلّة أصبحت ثماني عشرة اليوم، ووفق المعطيات، بات التوغل الإسرائيلي بعمق يقارب الكيلومترين داخل الأراضي الجنوبية، تحديداً من القطاع الشرقي الممتد من مزارع شبعا وصولاً إلى ما بعد بنت جبيل، أي من أقصى القطاع الشرقي لطرف القطاع الأوسط باتجاه القطاع الغربي.
فإسرائيل تسعى، وفق ما يظهر من مجريات المعارك والتصريحات السياسية والعسكرية وبيانات حزب الله التي يمكن الاستدلال منها أيضاً على النقاط المحتلة اليوم، إلى تحقيق أهداف توسعية تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية. ويقوم هذا التوجّه على التوغّل التدريجي داخل القرى والمرتفعات الحدودية، وتثبيت نقاط عسكرية ومواقع مراقبة بهدف فرض خط دفاعي جديد يمتد من الناقورة وصولاً إلى مثلث الحدود اللبنانية مع سوريا وفلسطين. ووفق مصدر مطلع لـ"المدن"، يمكن الاستدلال على مجموعة من المحاور الأساسية الممتدة على طول الشريط الحدودي، حيث تم تسجيل عمليات توغل وسيطرة على نقاط وتلال استراتيجية في أكثر من منطقة جنوبية.
ومن أبرز المحاور التي دخلت منها القوات الإسرائيلية:
محور مزارع شبعا باتجاه بلدتي شبعا وكفرشوبا. محور الخيام الذي يشمل تل الحمامص ووادي العصافير. محور العديسة – رب ثلاثين – مركبا. محور عيترون.
محور بليدا. محور يارون – مارون الراس. محور القوزح. محور الصالحاني.
محور جبل بلاط. محور اللبونة. ومحور مشروع الطيبة.
التوغل وتصدّي المقاومة
يشرح العميد منير شحادة، منسّق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية، في حديث مع "المدن" خريطة توسع الجيش الإسرائيلي ضمن المناطق والبلدات الجنوبية، مؤكداً بادئ ذي بدء أنّ هدف إسرائيل التوسعي جاء استكمالاً لحرب إسرائيل السابقة على لبنان لاحتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، "والدليل إلى ذلك حين طلبت من قوات اليونيفيل في حينها إخلاء مراكزها والتوجه شمالاً، ولكنها رفضت ذلك، كما أنّ صمود المقاومة منعها من تحقيق هدفها". وعليه، "عادت إسرائيل اليوم لتحقيق هدفها بطريقة التوغل التدريجي وتبعاً لسير المعارك وقدرة المقاومة على التصدي لهذا الهدف". تسعى إسرائيل من جهتها لضمان ما تسميه خط دفاع لها، في مسار يعكس توجهاً نحو معركة مفتوحة لا يبدو أنها محكومة بسقف زمني واضح، في المقابل، يلفت شحادة إلى أنّ "المواقع التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي ليست كلها قواعد عسكرية كبيرة، بل إن معظمها نقاط عسكرية متقدمة أو مرابض مراقبة ونيران تتمركز على تلال ومفارق طرق".
ويعدد شحادة أبرز النقاط التي يتمركز الجيش الإسرائيلي فيها: تلال كفركلا والعديسة ومركبا، محيط بلدة ميس الجبل، مرتفعات حولا، منطقة مارون الراس، تلال بليدا ويارون، محيط عيترون، القطاع الممتد بين رامية وعيتا الشعب، مرتفعات الضهيرة والناقورة شرقاً، تلال اللبونة والعلما الشعب، مرتفعات جبل بلاط، منطقة بيت ليف – رامية، محيط الطيبة ورب ثلاثين، مواقع مراقبة قرب القنطرة والغندورية، تلال دير ميماس المقابلة للمطلة، مرتفعات قرب ياطر، إضافة إلى مواقع مراقبة داخل الأحراج الحدودية ونقاط تحكم على طرق عسكرية داخل القرى الحدودية ومواقع مدفعية أو مسيّرات خلف الخط الأول.
أما المواقع الخمسة الأساسية التي كان الحديث عنها سابقاً فهي نقاط استراتيجية على تلال حاكمة قريبة من الحدود تُستخدم كقواعد قيادة وسيطرة.
الهدف العسكري من احتلال هذه المواقع
فأي أهداف عسكرية تسعى إليها إسرائيل من خلال احتلالها هذه النقاط؟ يجيب شحادة مؤكداً أنّ "إسرائيل تسعى لإنشاء حزام أمني فعلي داخل لبنان يعيد نموذج المنطقة العازلة التي كانت قائمة قبل العام 2000، بعمق عدة كيلومترات يمنع اقتراب قوات المقاومة من الحدود".
كما تسعى إسرائيل من خلال هذه المواقع إلى السيطرة على التلال الحاكمة التي تسمح بالمراقبة الإلكترونية والبصرية وتوجيه المدفعية وكشف تحركات الصواريخ القصيرة المدى. على الرغم من أنّ الجيوش الحديثة لم تعد بحاجة إلى التلال للسيطرة في ظل وجود التكنولوجيا المتطورة والطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، كما يشير شحادة.
إلى جانب ذلك، تهدف إسرائيل إلى منع عودة البنية العسكرية للمقاومة جنوب الليطاني وفرض واقع ميداني حتى في حال حصول اتفاق سياسي لاحق. فإسرائيل لم تعد مهتمة لا بمفاوضات ولا باتفاقيات تقيدها بالتزامات، سواء في لبنان أو سوريا أو في أي مكان أخر.
ويضيف شحادة: "كما تسعى إسرائيل إلى حماية المستوطنات الشمالية مثل كريات شمونة والمطلة وشلومي ومسكاف عام، إذ تقول إن هذه المواقع تمنع إطلاق الصواريخ أو تنفيذ عمليات تسلل". ويتابع: "الإعلان عن 18 موقعاً يشكل ورقة ضغط سياسية في أي مفاوضات محتملة حول تنفيذ القرار الدولي 1701 أو الترتيبات الأمنية الجديدة على الحدود".
لماذا أعلنت إسرائيل هذا العدد الآن؟
أما إعلان إسرائيل عن هذا العدد؛ أي الـ 18 موقعاً جديداً، في هذا التوقيت فيرتبط، وفق تقديرات شحادة، بثلاثة أسباب رئيسية: "إظهار إنجاز عسكري أمام الرأي العام الإسرائيلي بعد الحرب الطويلة، تثبيت واقع ميداني قبل أي اتفاق سياسي محتمل، إضافة إلى تعزيز الردع النفسي عبر إظهار قدرتها على البقاء داخل الأراضي اللبنانية".
والجدير ذكره أنّ العدد الأكبر من هذه المواقع ليست احتلالاً لمدن أو بلدات كاملة، بل نقاط عسكرية مؤقتة أو مواقع مراقبة قد تتغير سريعاً تبعاً لمجريات المعارك وتطوراتها الميدانية.
وكانت إسرائيل كشفت عبر تقارير عبرية نقلاً عن مصادر في الجيش الإسرائيلي أنها أضافت 18 موقعاً جديداً لها في جنوب لبنان، بعدما كانت تعترف سابقاً بخمس نقاط فقط احتلتها خلال الحرب السابقة على لبنان، ورفضت إخلاءها رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في هذا الإطار أن "الحملة ضد حزب الله لن تكون قصيرة ولن تتقيد بجدول زمني محدد"، مشيرة إلى أن الهدف هو دفع القتال إلى عمق الأراضي اللبنانية وتطهيرها من الداخل على غرار العمليات التي نُفذت في غزة.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الهدف العملياتي يتمثل في صدّ التهديد الذي تشكله الصواريخ المضادة للدبابات والنيران غير المباشرة على التجمعات السكنية القريبة من الحدود، لافتة إلى أن ثلاث قيادات فرق عسكرية تتواجد حالياً في المنطقة، وأن إنجاز هذه المهمة قد يتطلب تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط. وفي موازاة ذلك، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي يتلقى تعليمات بالاستعداد لتوسيع عملياته في لبنان.
في المحصلة، لا تبدو التحركات الإسرائيلية في جنوب لبنان مجرد عمليات عسكرية محدودة أو ردود ميدانية ظرفية، بل جزءاً من محاولة لإعادة رسم الواقع الأمني على طول الحدود وفرض معادلة جديدة بالقوة. فالتوسع التدريجي في احتلال التلال والنقاط الاستراتيجية يهدف إلى تثبيت أمر واقع قد يتحول لاحقاً إلى ورقة ضغط في أي مسار سياسي أو تفاوضي. وبين سعي إسرائيل لفرض حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية وتصدي المقاومة لمحاولات التمدد، يبقى الجنوب مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل معركة لا تبدو حتى الآن محكومة بسقف واضح أو نهاية قريبة.
زينب زعيتر - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|