الصحافة

الرجل الذي نعتمد عليه

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

“هذا الرئيس سيصنع حدثًا يجعل منه رئيسًا تاريخيًّا”؛ سمع هذه العبارة دبلوماسي لبناني من مسؤولٍ كبير في دولةٍ أوروبيّة. “هذا الرئيس” هو جوزاف عون. أمّا “الحدث” فهو السلام.

يُشكّل انخراط الرئيس جوزاف عون في مسار إطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تحوّلًا سياسيًّا بالغ الحساسيّة في المشهد اللبناني، خصوصًا بعد سنواتٍ طويلة من التوتّرات العسكريّة والاشتباكات الحدوديّة التي أثقلت الاقتصاد اللبناني وهدّدت الاستقرار الداخلي. فمنذ وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة، حاول عون تقديم مقاربةً مختلفةً تقوم على تعزيز دور الدولة ومؤسّساتها الرسميّة، وإعادة الاعتبار للدبلوماسيّة كخيارٍ لمُعالجة النزاعات، بدلًا من إبقاء الحدود الجنوبية رهينة المواجهات المفتوحة التي يخوضها “حزب الله” بتكليفٍ إيرانيّ.

قال عون ما لم يقُله رئيسٌ لبنانيٌّ آخر، إن استثنينا خطاب بشير الجميّل الذي انتُخب ولم يحكم. وجاءت خطواته في سياقٍ إقليميٍّ ودوليٍّ شديد التعقيد، حيث أدّت الحرب الأخيرة في الجنوب اللبناني إلى خسائر بشرية واقتصادية هائلة. وفي هذا الإطار، عمل عون على الدفع نحو تفعيل قنوات التفاوض المباشر برعاية أميركيّة، مستفيدًا من تجربة اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، والذي أثبت أنّ التفاوض قادر على تحقيق مكاسب للبنان من دون الانزلاق إلى الحرب. وهو تفاوضٌ وافق عليه حينها “حزب الله” الرّافض اليوم سحب الورقة اللبنانيّة من يد المُفاوض الإيراني.

يُحاول عون تكريس صورة الدولة اللبنانية كجهةٍ تفاوضيّةٍ شرعيّةٍ وحيدةٍ، على الرغم من حملة “حزب الله” عليه، بما يعزّز موقع المؤسّسات الرسميّة وفي مقدمتها الجيش اللبناني. وهذا الأمر ينسجم مع رؤيته القائمة على حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وإعادة بناء الثقة العربية والدولية بلبنان. كما أنّ التفاوض يمنح بيروت فرصةً لإعادة فتح قنوات التواصل مع القوى الدولية المؤثّرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تلعب دور الوسيط والضّامن في أيّ ترتيبات مستقبليّة على الحدود الجنوبيّة.

أمّا على الصعيد الاقتصادي، فتبرز أهمّية المفاوضات في كونها تُمثل مدخلًا أساسيًّا لتخفيف المخاطر الأمنيّة التي تُعيق الاستثمار وإعادة الإعمار. فلبنان يعيش واحدةً من أسوأ أزماته الاقتصاديّة والماليّة، وأيّ استقرار طويل الأمد في الجنوب قد يفتح الباب أمام تدفّق المساعدات الدوليّة، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجيّة والسياحيّة، إضافةً إلى تعزيز فرص الاستفادة من الثروات الغازيّة في البحر المتوسط. ومن المعروف أنّ المستثمرين الدوليين يربطون أيّ انخراطٍ اقتصاديٍّ واسع في لبنان بوجود حدٍّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني.

كذلك، تحمل هذه المفاوضات بُعدًا استراتيجيًّا يتعلّق بتثبيت تنفيذ القرار 1701، وتعزيز حضور الجيش اللبناني في الجنوب، بما يخفّف احتمالات اندلاع حرب جديدة قد تكون أكثر تدميرًا من سابقاتها.

ويُحاول الرئيس عون تقديم هذا المسار التفاوضي باعتباره تقنيًّا وأمنيًّا يهدف إلى حماية السيادة اللبنانية، مع مُراعاة الوضع اللبناني الداخلي الذي يحرص عليه عون أكثر من أيّ مسؤولٍ آخر.

في المُحصلة، يمكن القول إنّ الرئيس جوزاف عون يسعى إلى إدخال لبنان في مرحلةٍ جديدةٍ عنوانها “إدارة النزاع عبر التفاوض” بدلًا من “استمرار النّزاع عبر الحرب”. ونجاح هذا التوجّه قد يمنح لبنان فرصةً نادرةً لاستعادة شيء من الاستقرار السياسي والاقتصادي، بينما فشله قد يُعيد البلاد إلى دائرة التصعيد والانهيار. لذلك تبدو هذه المفاوضات، على الرّغم من تعقيداتها، واحدةً من أكثر الملفات حساسيّةً وتأثيرًا في مستقبل لبنان في السنوات المقبلة.

ويبدو الرئيس جوزاف عون الرجل الأوّل الذي نعتمد عليه لتحقيق هذا الإنجاز.

زياد مكاوي -”هنا لبنان”

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا