محليات

العفو اللبناني بأمرة الشرع

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن قانون العفو يوماً أولوية وطنية فعلية لدى السلطة اللبنانية. لسنوات طويلة، فُتح الملف وأُقفل، عُقدت الاجتماعات، رُفعت الشعارات، ووُزّعت الوعود على أهالي الموقوفين، ثم عاد القانون إلى الأدراج نفسها التي نام فيها لأكثر من عقد. فجأة، وفي لحظة سياسية إقليمية حساسة، استُنفرت الطبقة السياسية بأكملها. تحوّل العفو إلى بند عاجل، وإلى ضرورة “إنسانية” لا تحتمل التأجيل. فما الذي تبدّل؟ هل اكتشف أهل السلطة فجأة أن في السجون مظلومين؟ أم أن المطلوب ببساطة تنفيذ قرار سياسي جديد مصدره الخارج، وهذه المرة من دمشق؟

الحقيقة التي يحاول كثيرون التهرب منها أن الدفع المفاجئ باتجاه العفو ليس بريئاً، ولا منفصلاً عن التحولات السورية الأخيرة. ما يجري ليس نقاشاً قانونياً ولا معالجة قضائية عادلة، بل عملية سياسية واضحة الهدف: إخراج ما تبقى من الإسلاميين المرتبطين بالمشهد السوري، سواء من الذين قاتلوا سابقاً في صفوف “جبهة النصرة” أو من أولئك الذين شكّلوا جزءاً من البيئة العسكرية والأمنية التي خدمت هذا المشروع على الحدود اللبنانية ـ السورية وفي الداخل السوري.

الرئيس السوري أحمد الشرع يعرف تماماً من يريد إخراجه من السجون اللبنانية. هؤلاء ليسوا مجرد “موقوفين” كما يُسوَّق للرأي العام، بل جزء كبير منهم قاتل ضمن المشروع نفسه الذي خرج منه الشرع، وبعضهم كان في مراحل معينة حليفاً ميدانياً مباشراً أو غير مباشر للتنظيمات التي تحوّلت لاحقاً إلى نواة السلطة الجديدة في سوريا. لذلك، فإن ما يجري ليس ملفاً إنسانياً، بل عملية استكمال سياسية وأمنية تهدف إلى تحرير ما تبقى من بيئة “النصرة” اللبنانية والسورية من السجون اللبنانية.

في المرحلة الأولى، أُنجزت صفقة “الموقوفين السوريين”. يومها قيل للبنانيين إن هؤلاء سيُستكملون محاكماتهم في سوريا، وإن التنسيق القضائي قائم، وإن الدولة اللبنانية لا تتخلى عن حقوقها. لكن ماذا حصل فعلياً؟ وصل الموقوفون إلى سوريا واختفوا بالكامل. لا محاكمات، لا ملاحقات، ولا أي إجراء قضائي. انتهى كل شيء فور عبور الحدود. الدولة اللبنانية سلّمت المطلوبين وأقفلت الملف. واليوم يُستكمل المشهد نفسه، ولكن بنسخة لبنانية تحت عنوان “العفو العام”.

المفارقة الفاضحة أن القوى السياسية نفسها التي كانت تؤكد لسنوات أن الجرائم المرتكبة لا تسمح بأي عفو، وأن الدماء لا تُمحى بالتسويات، باتت فجأة تتحدث عن “طي صفحة الماضي” و”المعالجة الوطنية”. لماذا الآن تحديداً؟ لأن أحمد الشرع يريد إخراج حلفائه السابقين وبيئته السياسية والأمنية من السجون اللبنانية. بهذه البساطة. وما دام القرار الإقليمي قد اتُّخذ، يصبح على الداخل اللبناني أن يترجمه تشريعياً، تماماً كما تُترجم بقية الإملاءات الخارجية داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

في لبنان اليوم، لم يعد مجلس النواب يشرّع وفق حاجة الدولة أو مصلحة اللبنانيين، بل وفق رغبات أصحاب النفوذ الخارجي. القوانين المالية تُفصّل على قياس صندوق النقد الدولي، والسياسات السيادية تُكتب تحت ضغط السفارات، واليوم قوانين العفو تُطبخ على نار أحمد الشرع. أما النواب، فتحوّل كثير منهم إلى مجرد أدوات تصديق، يرفعون أيديهم عند الطلب، ويمنحون الشرعية لأي تسوية تصلهم جاهزة ومعلّبة.

الأخطر أن هذا النقاش يُقدَّم للرأي العام بطريقة مضللة ومخادعة. يُقال إن هناك موقوفين بلا محاكمات، وإن العدالة متعثرة، وإن الملف إنساني. نعم، القضاء اللبناني يتحمل مسؤولية فاضحة في تأخير المحاكمات، لكن هل يكون الحل بإسقاط الجرائم دفعة واحدة؟ وهل المطلوب تحقيق العدالة فعلاً، أم إعادة تدوير أشخاص تورطوا في أخطر الملفات الأمنية والعسكرية تحت شعار “التسوية”؟

ثم ماذا عن أهالي العسكريين الذين سقطوا؟ ماذا عن اللبنانيين الذين دفعوا ثمن الإرهاب والفوضى والتفجيرات والاقتتال؟ من يقنع هؤلاء أن من حمل السلاح وخاض المعارك وخطف وقتل وفجّر، بات يستحق فجأة فرصة جديدة تحت عنوان “العفو العام”؟ ومن يملك الجرأة ليقول للبنانيين إن الدولة التي عجزت عن محاسبة الفاسدين، قررت في المقابل التساهل مع المتورطين بأخطر الجرائم الأمنية؟

المشكلة في لبنان لم تعد فقط في الارتهان السياسي، بل في سقوط مفهوم الدولة نفسه. دولة تُشرّع تحت الطلب ليست دولة، وبرلمان يعمل كغرفة تصديق لرغبات الخارج ليس سلطة تشريعية. وما يحصل اليوم في ملف العفو ليس سوى نموذج إضافي عن بلد لم يعد ينتج قراره، بل يتلقى التعليمات وينفذها، فيما يُطلب من اللبنانيين التصفيق باسم “التسويات” و”الواقعية السياسية”.

هكذا صار التشريع في لبنان: على هوى الخارج، وعلى قياس المصالح الإقليمية، أما الدولة فلم تعد أكثر من ختم يوضع في أسفل الصفحة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا