تصعيد حزب الله بوجه الحكومة: رسالة للسعودية وتحذير من المسار الأمني مع إسرائيل
منذ انتهاء الحرب الأخيرة وتشكيل السلطة الجديدة في لبنان، انتقل البلد تدريجياً إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بشكل النظام السياسي والأمني الذي يُراد فرضه على الداخل في مرحلة ما بعد الحرب. ولهذا السبب تحديداً، يمكن قراءة كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تجاه الحكومة اللبنانية باعتباره باعتباره جزءاً من محاولة رسم حدود الاشتباك الداخلي قبل الوصول إلى لحظة فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على لبنان تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي المباشر.
في الجوهر، يدرك الحزب بحسب مصادر متابعة أن المرحلة الحالية مختلفة عن كل المراحل السابقة، لأن الضغوط لم تعد تقتصر على العقوبات المالية أو الحصار السياسي أو حتى الاستنزاف الأمني، بل باتت تتجه نحو محاولة إنتاج بنية سياسية وأمنية جديدة في لبنان تقوم على فصل الدولة بالكامل عن المقاومة، وتحويل المؤسسات الرسمية إلى أداة ضغط داخلية عليها، سواء عبر الاقتصاد أو الأمن أو الترتيبات الحدودية أو إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ومن هنا جاء التصعيد السياسي تجاه الحكومة، لأن الحزب بحسب المصادر يعتبر أن المسار الحالي تخطى مرحلة البحث بكيفية إدارة الدولة أو بمعالجة الأزمة الاقتصادية، وانتقل الى كونه مشروعا متكاملا لإعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني تحت الرعاية الأميركية المباشرة.
تشير المصادر عبر ليبانون ديبايت الى ان الرسالة الأساسية من التصعيد في كلام الشيخ قاسم لم تكن موجهة فقط إلى رئيس الحكومة أو إلى القوى السياسية اللبنانية، بل إلى المملكة العربية السعودية أيضاً، باعتبار أن الرياض عادت خلال الأسابيع الأخيرة إلى الانخراط المباشر في الملف اللبناني، سواء عبر دعم الحكومة الحالية أو عبر محاولة تثبيت الاستقرار السياسي ومنع الانهيار الكامل للدولة، مشددة على ان الحزب يدرك أن السعودية تنظر إلى هذه الحكومة بوصفها فرصة لإعادة ترميم الحد الأدنى من انتظام المؤسسات اللبنانية، لكنه في المقابل يحاول إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي حكومة تذهب بعيداً في استهداف البنية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التابعة له ستتحول تلقائياً إلى حكومة مواجهة داخلية، ما يعني أن قدرتها على الاستمرار ستصبح موضع شك.
وهنا تظهر حساسية الملف المرتبط بالمؤسسات التابعة للحزب، فالولايات المتحدة تدفع منذ سنوات نحو تجفيف البيئة المالية والاجتماعية للمقاومة، ليس فقط عبر العقوبات، بل عبر دفع الدولة اللبنانية نفسها إلى التعامل مع مؤسسات الحزب باعتبارها كيانات خارجة عن الشرعية أو مرتبطة ببنية موازية للدولة، وبالنسبة للحزب، هذا النوع من الإجراءات يُقرأ باعتباره محاولة لنزع عناصر القوة الاجتماعية التي سمحت له بالحفاظ على بيئته خلال سنوات الحرب والعقوبات. ولذلك فإن أي خطوة حكومية مباشرة في هذا الاتجاه ستُعتبر انتقالاً من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة الاشتباك الداخلي المباشر.
أما في الملف الأمني، فالمسألة أكثر تعقيداً وخطورة، فالحزب يرى أن ما يجري حالياً يتجاوز النقاش التقليدي حول تنفيذ القرار 1701 أو تثبيت وقف إطلاق النار، ليصل إلى محاولة فرض مسار تفاوضي طويل الأمد بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، تكون نتيجته الفعلية إنشاء ترتيبات أمنية جديدة على الحدود وفي الداخل اللبناني نفسه، تصل حد وضع الجيش بمهمة نزع السلاح. ومن وجهة نظر الحزب، فإن الخطر لا يكمن فقط في التواصل الأمني أو التقني، بل في تحويل الدولة اللبنانية تدريجياً إلى شريك في منظومة أمنية إقليمية يكون عنوانها الأساسي احتواء المقاومة وعزلها.
لهذا السبب تحديداً جاء التصعيد الأخير، بحسب المصادر، لأن الحزب يريد القول إن أي مسار يؤدي إلى اتفاقات أو ترتيبات أمنية تُبنى خارج معادلة المقاومة سيؤدي بالضرورة إلى انفجار داخلي سياسي وربما أمني أيضاً. وهو بذلك يحاول وضع سقف مسبق أمام الحكومة اللبنانية قبل انتقالها إلى مراحل أكثر تقدماً في التفاوض أو التنسيق الأمني مع الأميركيين والإسرائيليين. فالحزب يعتبر أن جوهر المشروع الأميركي الحالي يقوم على فصل لبنان الرسمي عن المقاومة تمهيداً لتحويل الأخيرة إلى عبء داخلي بدلاً من اعتبارها جزءاً من معادلة الردع.
لكن في المقابل، ثمة مبالغة لدى بعض القوى في تقدير قدرة التحرك الشعبي أو التصعيد السياسي على إسقاط الحكومة الحالية سريعاً. فالتجربة اللبنانية بعد حرب تموز عام 2006 تُظهر أن امتلاك الشارع أو القدرة على تعطيل الحياة السياسية لا يعني بالضرورة القدرة على إسقاط السلطة أو تغيير موازين الحكم بشكل مباشر. يومها استمرت حكومة فؤاد السنيورة رغم الاعتصامات المفتوحة والانقسام العمودي الحاد، ولم يتغير المشهد إلا بعد تحولات إقليمية وداخلية كبيرة. وهذا يعني أن الحزب نفسه يدرك على الأرجح أن هدف التصعيد الحالي ليس إسقاط الحكومة فوراً، بل منعها من الذهاب بعيداً في الخيارات التي يعتبرها تهديداً استراتيجياً له.
المشكلة الأساسية بحسب ما ترى المصادر هي أن لبنان يدخل تدريجياً في مرحلة تآكل التوازنات القديمة من دون وجود بديل مستقر. فالولايات المتحدة تبدو أكثر إصراراً من أي وقت مضى على استثمار نتائج الحرب من أجل فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في المنطقة، وإسرائيل ترى أن الفرصة الحالية قد تكون مناسبة لإنتاج بيئة لبنانية أقل ارتباطاً بالمقاومة وأكثر استعداداً للتكيف مع الشروط الأمنية الغربية. وفي المقابل، يشعر حزب الله أن أي تراجع في هذه اللحظة سيكون بداية مسار يؤدي إلى تقويض دوره بالكامل داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية.
لذلك، يبدو المشهد الداخلي مرشحاً لمزيد من الاحتقان خلال المرحلة المقبلة، لأن جوهر الصراع لم يعد متعلقاً فقط بالحكومة أو بالملفات الاقتصادية أو حتى بإعادة الإعمار، بل بطبيعة لبنان نفسه، وما اذا كان يتجه نحو نموذج أمني وسياسي جديد تديره التفاهمات الدولية والإقليمية، وبالتالي يصبح أي خطأ في الحسابات الداخلية أو أي ضغط خارجي إضافي قادراً على دفع البلاد نحو انفجار سياسي كبير.
محمد علوش -ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|