من "الشقيف" إلى "القرعون": سقط التاريخ على مذبح مشروع "حزب الله"
سقطت قلعة الشقيف، ورفع الجيش الإسرائيلي علم إسرائيل وعلم لواء غولاني فوق أسوار القلعة، ليعلن أن التركيز حاليًا هو على إحكام السيطرة على القلعة ومحيط نهر السلوقي.
سقوط الشقيف ليس مجرد سقوط لموقع استراتيجي، بل سقوط مدو لـ "حزب الله" الذي يتسبب يومًا بعد يوم بدمار المزيد من أرض الجنوب وحضارته وإرثه التاريخي العريق، وتاريخ جبل عامل الذي تشكّل القلعة جزءًا أساسيًا منه شاهد على ذلك.
فمنذ قرون طويلة، وقبل أن تصبح "قم" عاصمة دينية للتشيّع، وقبل أن تتبلور الدولة الصفوية في إيران، كان جبل عامل، الذي يمتد من نهر الأولي شمالا حتى الحدود، يشع علمًا وفقهًا وثقافة. فمن هذه التلال خرج علماء حملوا الفكر الشيعي إلى العراق وإيران وسائر بلاد الإسلام. ومن مدارس ميس الجبل وجباع وعيناثا وشقرا وغيرها، تخرّج فقهاء ومجتهدون أسهموا في صياغة التراث الشيعي.
لم يكن التشيّع في جبل عامل مجرد انتماء مذهبي، بل كان حضارة بنت المدارس والمكتبات، وشيّدت القلاع والحصون، ونسجت علاقة فريدة بين الأرض والعقيدة. هنا ارتفعت قلعة أرنون، الشقيف، شاهدة على تعاقب الحروب والحضارات، وهنا ازدهرت القصور والرباطات والمدن التي شكّلت جزءًا من الذاكرة الشيعية في المشرق، تمامًا كما كانت النجف وكربلاء وقم ومشهد مراكز إشعاع ديني وثقافي.
صور والنبطية: جناحا الذاكرة والهوية
لم يكن جبل عامل مجرد قرى متناثرة بين التلال والوديان، بل قامت فيه حواضر كبرى شكّلت ركائز الهوية الشيعية والثقافة العربية في المشرق. فمدينة صور كانت منذ آلاف السنين بوابة الجنوب إلى البحر، وواحدة من أعظم مدن الحضارة الفينيقية، ومنها انطلقت السفن نحو المتوسط حاملة التجارة والمعرفة والثقافة. ومع تعاقب العصور، بقيت صور حاضرة جامعة لأبناء الجنوب ومركزًا اقتصاديًا وثقافيًا وروحيًا شكّل جزءًا أساسيًا من الوجدان العاملي.
أما النبطية، فقد تحوّلت عبر القرون إلى عاصمة الداخل الجنوبي وقلب جبل عامل النابض. فيها ازدهرت الأسواق والمدارس والحوزات الدينية والمنتديات الفكرية، ومنها انطلقت حركات النهضة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أسهمت في صياغة الوعي الوطني والشيعي الحديث. ولم تكن النبطية مجرد مدينة، بل كانت مساحة لقاء بين التراث والتجديد.
وعندما يُنظر إلى صور والنبطية جنبًا إلى جنب، تبدوان كجناحين لذاكرة واحدة، الأولى تحرس البحر والتاريخ، والثانية تحرس الأرض والهوية. وبينهما امتدت قرى جبل عامل التي أنجبت العلماء والأدباء، وصنعت تجربة حضارية فريدة لم تقم على القوة العسكرية، بل على العلم والعمل والتجذّر في الأرض والانتماء إلى تاريخ عريق.
عندما أنقذت الدولة سدّ القرعون: من ينقذ القلعة؟
عندما قامت الدولة اللبنانية الحديثة، لم يكن الشيعة غرباء عنها، بل ارتبطت نهضة مناطقهم بأحد أكبر المشاريع الوطنية والاستراتيجية في تاريخ لبنان: مشروع الليطاني. فسدّ القرعون لم يكن مجرد منشأة هندسية، بل كان وعدًا بالتنمية، وقد حمل الإمام موسى الصدر هذا الحلم.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة ومقلقة. فإسرائيل تستهدف محيط سد القرعون، وتعلن أن عناصر من "حزب الله" حاولوا المساس بنشاطه.
في تلك اللحظة الحساسة، كانت الدولة الخلاص، مع الجهد الذي قادته المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. إذ بادر المدير العام للمصلحة، سامي علوية، إلى رفع مستوى التحذير والتواصل المباشر مع رئيس الجمهورية جوزاف عون. وعلى أثر ذلك، تحرّكت مؤسسات الدولة لاتخاذ إجراءات استثنائية لحماية السد ومنع تحويله إلى ساحة مواجهة. وبذلك، شكّل إنقاذ سدّ القرعون نموذجًا لدور الدولة، وأسهم في تجنيب لبنان ومناطق الجنوب وجبل عامل الكارثة.
نذكر ذلك علّنا ننقذ قلعة الشقيف من مغامرات "حزب الله". فالقلعة ليست حجارة فقط، والسدّ ليس مجرد إسمنت ومياه. كلاهما جزء من ذاكرة جماعية ومن هوية تاريخية ومن مشروع وجود. وعندما تتحوّل المواقع الحضارية والتنموية إلى أهداف في الحروب، يصبح السؤال: ماذا يبقى من المجتمع حين تتآكل ركائز وجوده المادي والثقافي؟
ماذا يبقى إذا ضاع جبل عامل؟
لقد عاش شيعة لبنان قرونًا من التهميش، لكنهم احتفظوا بأرضهم وثقافتهم وذاكرتهم، وهي حاليًا بخطر بسبب ما يقوم به "حزب الله". فكيف يمكن لجماعة خارجة عن القانون والتاريخ أن تستبدل التاريخ العميق بمشروع سياسي يأتمر بنظام الملالي في إيران؟ وهل يجوز أن تختزل هوية جبل عامل، بكل ما تمثله من علم وفقه وثقافة ومدن عريقة، في وظيفة عسكرية أو في ارتباط خارجي؟
التاريخ يعلّمنا أن الدول تتبدّل، والإمبراطوريات تزول، والتحالفات تتغيّر. الصفويون رحلوا، والعثمانيون رحلوا، والاستعمار رحل، وسترحل قوى أخرى. لكن ما يبقى هو الأرض والناس والثقافة والذاكرة. وما يبقى هو جبل عامل نفسه، بما يحمله من إرث إنساني وروحي وحضاري.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا يريد الإسرائيليون، بل ماذا يريد شيعة لبنان لأنفسهم؟ هل يريدون الحفاظ على إرث عمره ألف عام، أم المغامرة به في صراعات تتجاوز حدودهم وإمكاناتهم؟
فإذا ضاع السدّ، ودُمّرت القلاع، وتراجعت صور عن دورها التاريخي، وخفت صوت النبطية الثقافي، وهُجّرت القرى، وتآكلت التنمية، وانقطع الناس عن أرضهم، فماذا يبقى من جبل عامل؟ وماذا يبقى من الشيعة إذا ضاع جبل عامل؟
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تحفظه من ذاكرة، وما تورثه لأبنائها من هوية. وجبل عامل لم يكن يومًا مجرد ساحة مواجهة، بل كان مدرسة وحضارة. وحين يضيع هذا المعنى، يصبح الخطر على الوجود أعمق من أي حرب، لأن خسارة التاريخ لا تعوّضها ألاعيب السياسة ولا انتصارات الميدان الوهمية.
نخلة عضيمي -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|