الصحافة

هل يُعاد إحياء "لقاء البريستول"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتزايد في الأوساط السياسية والفكرية اللبنانية الدعوات إلى إعادة إحياء "لقاء البريستول" بصيغة جديدة تتلاءم مع التحولات العميقة التي شهدها لبنان والمنطقة خلال العقدين الماضيين، على قاعدة أن الهدف المركزي اليوم لم يعد مواجهة الوصاية السورية كما كان الحال في مطلع الألفية، بل العمل على إنهاء الحروب المفتوحة على الأرض اللبنانية، ومنع انزلاق البلاد نحو كارثة وجودية قد تهدد وحدتها الجغرافية والسياسية.

وإذا كان المسيحيون قد شكّلوا في تلك المرحلة رأس الحربة والواجهة السياسية والشعبية للقاء البريستول في مواجهة الاحتلال السوري، فإن المرحلة الراهنة تستدعي أن يكون المكوّن الشيعي هو الواجهة والمضمون معًا، ولا سيما في ما يتعلق بملفي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية والعودة الكاملة إلى كنف الدولة ومؤسساتها الشرعية.

وتنبع الحاجة الملحّة إلى هذا الإطار الوطني العابر للطوائف من المخاطر المتصاعدة التي تواجه الجنوب اللبناني وجبل عامل تحديدًا، في ظل التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالمشهد الإقليمي يشي بأن منطق الحروب المستمرة قد يفتح الباب أمام وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها لاحقًا، الأمر الذي يجعل من الضروري إطلاق مبادرة سياسية وشعبية واسعة تسعى إلى تفادي التدمير الكامل، وتمنع تكرار السيناريوهات المأساوية التي شهدتها مناطق أخرى في الإقليم. وتستند هذه المخاوف إلى واقع جيوسياسي جديد يتمثل في توسع مساحات الأراضي العربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي نتيجة النزاعات والحروب المتلاحقة، ما يفرض على اللبنانيين استباق الأخطار قبل أن تتحول إلى حقائق ثابتة.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة لتشكيل مجموعة ضغط وطنية تتجاوز الأطر التقليدية، وتكون من خارج أحزاب السلطة، بحيث تضم شخصيات سياسية وفكرية وأكاديمية واجتماعية من مختلف الطوائف، على أن يكون للشيعة الدور القيادي فيها بحكم ارتباطهم المباشر بجغرافيا الجنوب وجبل عامل. فكما توحدت قوى سياسية متعددة في مرحلة سابقة تحت سقف هدف وطني جامع تمثل بإنهاء الاحتلال السوري في لبنان، فإن اللحظة الراهنة تتطلب توحيد الجهود حول هدف لا يقل أهمية، يتمثل في حماية جبل عامل ومنع تحوله إلى ساحة استنزاف دائمة أو إلى منطقة مفتوحة على احتمالات التغيير القسري للواقع القائم.

ويكتسب هذا الطرح بعدًا وطنيًا يتجاوز الحسابات الفئوية والطائفية، لأن القضية لا تتعلق بمصير منطقة بعينها فحسب، بل بمصير لبنان كله. فجبل عامل، بتاريخه وإرثه الحضاري، يشكّل أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها صيغة لبنان الكبير والعقد الاجتماعي بين اللبنانيين. ومن هنا فإن الحفاظ عليه وعلى دوره التاريخي والديموغرافي والاقتصادي يشكّل ضرورة وطنية عليا، خصوصًا في ظل الحاجة الملحّة إلى وقف إطلاق النار بصورة نهائية، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق ورشة إعادة إعمار واسعة تكون موجهة أولا وأخيرًا لخدمة أبناء المنطقة وتعزيز صمودهم واستقرارهم.

وفي صلب هذا المشروع، يبرز هدف أساسي يتمثل في إعادة تأهيل جبل عامل حجرًا وبشرًا، عبر توفير الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تسمح بإعادة بناء ما دمرته الحروب وإعادة الحياة الطبيعية إلى المنطقة، ضمن إطار سيادة الدولة اللبنانية الكاملة على أراضيها ومؤسساتها. ويستند هذا التصور إلى قناعة متزايدة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن استقرار الجنوب وازدهاره يتطلبان واقعًا جديدًا خاليًا من أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الدولة، بما يفتح المجال أمام استقطاب الاستثمارات وإعادة الإعمار وترسيخ مقومات التنمية المستدامة.

أما اختيار "لقاء البريستول" تحديدًا كإطار رمزي وسياسي لهذه المبادرة، فلا يعود فقط إلى الحنين إلى تجربة سابقة، بل إلى ما يمثله هذا اللقاء من ذاكرة سياسية جامعة نجحت في مرحلة مفصلية في جمع قوى متباينة حول هدف وطني واضح. واستحضار هذه التجربة اليوم في سياق الصراع مع إسرائيل قد يمنح المشروع زخمًا معنويًا وسياسيًا إضافيًا، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الأمم والشعوب تستفيد من خبراتها الناجحة حين تواجه تحديات جديدة، وأن للبنان حاجة دائمة إلى مساحات حوار وضغط وطني قادرة على إنتاج مبادرات إنقاذية تتقدم على الانقسامات التقليدية، حفاظًا على الجنوب وجبل عامل، وصونًا لوحدة لبنان واستقراره ومستقبله.

داود رمال -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا