في جلسة مجلس النواب: برّي حيّد السياسة... فأسقطت الشعبوية التشريع وعاد العفو إلى نقطة الصفر
نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري في تحقيق الهدف الأساسي الذي رسمه للجلسة التشريعية، وهو منعها من التحوّل إلى مواجهة سياسية حول السلاح، واتفاق الإطار، والضغوط الدولية، والتطوّرات الأمنية. فعلى الرغم من محاولات بعض النواب إثارة هذه الملفات، بقيت الجلسة محصورة بجدول الأعمال، ولم تتحوّل إلى ساحة اشتباك سياسي كالذي كان يخشاه الجميع.
لكن في المقابل، كشفت الجلسة مفارقة لافتة. فإن كان المجلس نجح في تحييد السياسة، فإنه وقع في ما يمكن وصفه بـ"الشعبوية التشريعية"، إذ أقرّ سلسلة قوانين ذات انعكاسات مالية مباشرة، من تثبيت أعداد كبيرة من المتعاقدين، وإدخال فئات جديدة إلى شرعة التقاعد، مروراً بإقرار زيادات مالية، من دون أن تقدّم الحكومة أيّ ضمانة واضحة بأنها تملك الموارد الكافية لتمويل هذه الالتزامات. وفي ظلّ الأزمة المالية التي لا يزال لبنان يعيشها، يثير هذا المسار مخاوف من العودة إلى النهج الذي سبق الانهيار المالي، عندما كانت الدولة ترتب نفقات دائمة من دون تأمين مصادر تمويلها.
في المقابل، سجّل برّي نقطة سياسية أخرى، بعدما نجح في تمرير قانون التمديد لرئيس الجامعة اللبنانية الحالي، رغم أن قوى سياسية عدّة حاولت استخدام الملفّ لفرض تعيين مجلس الجامعة قبل أيّ تمديد، بما يفتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوى داخل الجامعة والحدّ من نفوذ الإدارة الحالية. إلا أن خيار التمديد مرّ، فيما أُرجئ النقاش في التعيينات.
أما غالبية القوانين التي أُقرت، فبقيت ضمن الإطار الإداري والإجرائي، فيما بقيت الملفات الأكثر حساسية حتى نهاية الجلسة، وفي مقدمها قانون الإعلام، وقانون تعديل أحكام الإعدام، وقانون العفو العام. ولم يكن ذلك تفصيلاً، إذ يدرك بري مسبقاً أن هذه المشاريع تحمل أكبر قدر من الانقسام السياسي والنيابي، لذلك وضعها في ذيل جدول الأعمال، وحرص قبل الوصول إليها على تلاوة محضر الجلسة، بحيث تصبح القوانين التي أُقرت نافذة حتى لو تعذر استكمال البحث في البنود الباقية.
وعندما وصل المجلس إلى قانون العفو، انفجر الخلاف. لكن تصوير ما جرى على أنه مواجهة بين "القوات" و"النواب السنة"، أو أن "القوات" أسقطت النصاب لأنها لا تريد قانون العفو، لا يعكس حقيقة المشهد داخل البرلمان.
صحيح أن عدداً من النواب السنة الخمسة الذين كانوا يقودون الاتصالات، وهم وليد البعريني، وجهاد الصمد، ونبيل بدر، وعماد الحوت، وبلال الحشيمي، حاولوا الإيحاء بأن انسحاب "القوات اللبنانية" هو الذي أطاح بإقرار القانون، إلا أن جوهر الأزمة كان في مكان آخر.
فالانقسام الحقيقي كان داخل التمثيل السني نفسه، لا بين "القوات" وجميع ممثلي الطائفة السنية.
فالفريق الأول، الذي شارك في الاتصالات مع نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، كان يميل إلى السير بصيغة القانون كما أصبحت بعد المفاوضات الأخيرة، مع التركيز على حذف كلمة "المشدّدة" من عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، بما يسمح للمحكومين بالاستفادة من خفض سنوات العقوبة، ولا سيما بعد التفاهم على مشروع تعديل قانون الإعدام.
في المقابل، تمسّك فريق آخر من النواب السنة بإدخال تعديلات أوسع على مشروع العفو نفسه، معتبرين أن الصيغة المطروحة لا تزال تستثني أعداداً كبيرة من الموقوفين والمحكومين، وطالبوا بتوسيع الفئات المستفيدة، بما يشمل ملفات يعتبرون أنها لا تزال خارج إطار العفو، وفي مقدمتها ملف الشيخ أحمد الأسير وبعض الموقوفين الإسلاميين.
وفي هذا الإطار، يؤكد عضو تكتل "الاعتدال الوطني" النائب أحمد الخير أن مقاطعة الجلسة التشريعية الأخيرة "لم تكن مرتبطة بجلسة أمس فقط، بل سبق أن قاطعنا جلسات تشريعية سابقة للأسباب نفسها".
ويشير، في حديث لـ"النهار"، إلى أن التكتل، بالتنسيق مع عدد من النواب، توصّل إلى تفاهم مع رئيس الحكومة نواف سلام على إدخال تعديلات على عدد من مواد قانون العفو العام، أبرزها المادة الخامسة المتعلقة بالتوقيف الاحتياطي، والتي تنص على أنه إذا تجاوزت مدة توقيف الشخص 12 عاماً من دون صدور حكم بحقه، يُخلى سبيله ويُتابَع مسار محاكمته وهو خارج السجن. كذلك شملت التعديلات المادة المتعلقة بالحق الشخصي، حيث "اقترحنا تعديلات محددة لمعالجة الإشكاليات التي كانت قائمة".
ويضيف الخير: "في المقابل، كان هناك خمسة نواب ينسّقون مع الثنائي الشيعي ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب. وعقدنا اجتماعاً معهم، لكننا لم نصل إلى أيّ نتيجة بسبب تصلب المواقف، ولا سيما من جانب حزب الله الذي لم يوافق على التعديلات المطروحة".
ويكشف أن "بو صعب عاد وطرح مسألة الحق الشخصي العائد إلى الجيش اللبناني، بما يعني إعادة إدخال المؤسسة العسكرية في صلب النقاش، رغم أن تفاهمات سابقة كانت قد أُنجزت مع رئيس الجمهورية وأدّت إلى تسوية مع قيادة الجيش. إلا أنهم أصرّوا على إعادة طرح هذه النقطة، ما كان سيؤدي إلى إحراج المؤسسة العسكرية وإسقاط القانون".
ورداً على سؤال عما إن كانت التعديلات المقترحة تهدف إلى شمول الشيخ أحمد الأسير بالعفو، يؤكد الخير أن "القانون ليس مفصّلاً على قياس أحد، لكن في المقابل لا نريده أيضاً أن يكون مفصّلاً لاستثناء شخص بعينه".
ويعتبر الخير أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب قرار سياسي جامع لإقرار قانون العفو. وحتى لو كانت هناك رغبة لدى الرؤساء الثلاثة في تمريره، فإن التسوية لم تنضج بعد، بفعل تعقيدات داخلية وأبعاد خارجية تؤثر في هذا الملف"، مضيفاً: "هناك من لا يزال يريد الاستثمار السياسي والبيع والشراء على حساب الناس المظلومين".
وعن السجال الذي شهدته جلسة أمس، يقول الخير: "اختلفنا على جنس الملائكة، وعلى أيّ بند يجب أن يُناقش أولاً، فيما راح كلّ طرف يحمّل المسؤولية للطرف الآخر، على طريقة 'أبو ملحم'. لكن في النهاية، كانت النتيجة واحدة، وهي تعطيل إقرار قانون العفو".
ويختم بالتأكيد: "سنواصل العمل حتى اللحظة الأخيرة لإقرار هذا القانون، لأنه بالنسبة إلينا قضية عدالة قبل أن يكون قضية سياسية".
ومن هنا، فإن الخلاف لم يكن على مبدأ العفو، بل على من يشمله العفو، وهي العقدة التي بقيت من دون حلّ، وأعادت القانون إلى نقطة الصفر.
وبذلك، يمكن القول إن جلسة أمس لم تُسقط قانون العفو، بل أعادت فتح النقاش حوله بالكامل. فكل الملاحظات والاعتراضات التي ظهرت ستعود إلى طاولة البحث قبل أي جلسة مقبلة، لأن أياً من الأطراف لم يعد يعتبر أن الصيغة الحالية قابلة للمرور.
أما البنود التي لم تُناقش، فلا تسقط حكماً، بل يمكن للرئيس بري إعادة إدراجها على جدول أعمال أي جلسة تشريعية لاحقة. إلا أن ما جرى يعني عملياً أن قانون العفو، وقانون الإعلام، وسائر المشاريع الخلافية، ستحتاج إلى جولة جديدة من المفاوضات والتسويات قبل أن تعود إلى الهيئة العامة، وهو ما يؤكد مرة جديدة أن المجلس النيابي لا يحسم الملفات الخلافية بالتصويت، بل بالتوافق السياسي الذي يسبق انعقاد الجلسات.
اسكندر خشاشو -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|