الصحافة

التفجيرات الإسرائيلية في الجنوب: غايات ومصالح بعيدة الأمد

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في وقت تستمر فيه ​المفاوضات​ المباشرة بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ في روما برعاية أميركية، وبعد التوصل الى اتفاق اطار تم التوقيع عليه في ​واشنطن​، يتساءل المرء عن سبب ازدياد "​النشاط العدائي​ " الإسرائيلي في القرى والبلدات الجنوبية للبنان، وبالتحديد عمليات نسف المنازل وتغيير جغرافية البلدات. لو كان الهدف عسكرياً بحتاً، لتوقفت عمليات التدمير مع تراجع المواجهات الواسعة. أما استمرارها، فيوحي بأن المقصود ليس فقط إزالة تهديدات آنية، بل إعادة تشكيل البيئة التي سيُنفذ فيها أي اتفاق مستقبلي.

منطقياً، ان الجنوب الذي تتأخر فيه عودة السكان، وتتراجع فيه قدرة القرى على استعادة حياتها الطبيعية، يختلف سياسياً وأمنياً عن جنوب استعاد سريعاً حركته الاقتصادية والاجتماعية. وعليه، لا يصبح الدمار مجرد نتيجة للحرب، بل أحد عناصر رسم الواقع الجديد، سواء عبر إبطاء الإعمار، أو تقليص سرعة عودة الأهالي، أو إبقاء المنطقة في حالة هشاشة تجعل أي ترتيبات أمنية أكثر قابلية للاستمرار. في الوقت نفسه، يصعب تجاهل الترابط بين هذا السلوك وبين الخطاب الإسرائيلي القائم على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري إلى أن تتغير الظروف الأمنية. فالصورة التي ترتسم ليست صورة انسحاب كامل يعقبه استقرار دائم، بل محاولة لتكريس نموذج يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بحق التدخل متى رأت أن الظروف تستدعي ذلك، حتى بعد التوصل إلى تفاهمات سياسية. وبهذا المعنى، لا تبدو المفاوضات بحثاً في إنهاء الدور العسكري الإسرائيلي، بقدر ما تبدو تفاوضاً حول كيفية تنظيمه وحدوده.وتكتسب هذه المقاربة بعداً إضافياً إذا كان الهدف، كما توحي قراءة السلوك الميداني، إبقاء التفاوض محصوراً ضمن نطاق ما يُعرف ب​الخط الأصفر​، بحيث يتحول البحث إلى انسحابات جزئية ومتدرجة داخل هذه المنطقة، فيما يؤجّل الحديث عن الانسحاب الكامل إلى الحدود الدولية إلى مرحلة لاحقة غير محددة زمنياً. وعندها لا يصبح الوقت مجرد عامل تقني لتنفيذ الاتفاق، بل ورقة تفاوض بحد ذاتها، إذ يسمح التنفيذ المرحلي بإعادة تقييم كل خطوة وفق معايير أمنية متحركة، ويمنح الطرف الأقوى هامشاً واسعاً للتحكم بإيقاع العملية السياسية وتأجيل محطاتها النهائية.

المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في اختلال ميزان القوى، بل أيضاً في الانقسام الداخلي. ففي السياسة، كما في التفاوض، لا تُقاس القوة بالإمكانات العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على التعبير عن موقف موحد. وعندما يختلف الداخل حول تعريف الهدف وحدود التسوية وأدوات المواجهة، يصبح الوقت حليفاً للطرف الآخر، لأن كل تأخير يمنحه فرصة إضافية لترسيخ الوقائع التي صنعها.

لهذا السبب، لا يبدو التصعيد العسكري المفتوح خياراً قابلاً لتحقيق أهدافه في ظل موازين القوى الحالية، كما أن الاكتفاء بالتفاوض، من دون امتلاك عناصر ضغط موازية، قد يحول العملية إلى إدارة طويلة للأزمة. ويبقى الخيار الأكثر واقعية هو السعي إلى رفع الكلفة السياسية لاستمرار الوضع القائم، عبر منع تحول الوقائع الميدانية إلى أمر طبيعي، والإصرار على أن استقرار الجنوب لا يمكن أن يقوم على معادلة تسمح باستمرار التدخل العسكري من جهة، وتطالب الدولة اللبنانية بإثبات قدرتها على فرض الاستقرار من جهة أخرى.

يعوّل البعض على الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد ​جوزف عون​ إلى واشنطن، ويرى هذا البعض ان قيمتها لن تكون في حجم الدعم الذي قد يعلنه ​البيت الأبيض​، بل في قدرة لبنان على إعادة صياغة النقاش مع الإدارة الأميركية. فالرهان لا ينبغي أن يكون على مطالبة واشنطن بالضغط على إسرائيل بوصفه مطلباً لبنانياً، بل على إقناعها بأن نجاح المبادرة التي ترعاها يتطلب أيضاً إلزام إسرائيل بما يجعل تنفيذها قابلاً للحياة. فإذا كانت الدولة اللبنانية مطالبة بإثبات حضورها في الجنوب، فإن استمرار عمليات النسف والتوغلات يقوض عملياً هذا الهدف، ويضعف المشروع الذي تقول واشنطن إنها تدعمه، فليس الهدف الحصول على بيانات تأييد إضافية، بل السعي إلى ضمانات عملية، وآليات تنفيذ واضحة، ومعايير محددة تمنع تحويل أي تأخير في الانسحاب أو أي استمرار للعمليات العسكرية إلى أمر يخضع حصراً لتقدير الطرف الأقوى.

إذا نجحت إسرائيل في تحويل الانسحاب الكامل إلى استحقاق مؤجل يخضع دوماً لإعادة التقييم، تكون قد حققت أحد أهم أهدافها التفاوضية. أما لبنان، فلن يستطيع تحسين موقعه إلا إذا نجح أولاً في توحيد رؤيته وموقفه التفاوضي.

طوني خوري -النشرة

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا