واشنطن تدق ناقوس الخطر... إيران تكشف سلاحًا يربك الدفاعات الأميركية
لا لقانون العفو.. أعيدوا المحاكمات
لا فائدة من العودة إلى مربّع النقاش في قانون العفو وألغام نائب رئيس مجلس النوّاب إلياس بو صعب وبهلوانيّات النائبين بلال حشيمي ونبيل بدر، أو ضعف الثقافة القانونيّة عند معظم النوّاب السُّنّة في البرلمان. المطلوب الذهاب إلى مطلب واحد، ألا وهو إعادة فتح ملفّ معركة “عبرا” قضائيّاً، وليحضر الجميع إلى المحكمة، من العميد شامل روكز إلى مسؤولي “الحزب” في حارة صيدا وعبرا، ومعهم الشيخ أحمد الأسير، ولتُعرض شرائط الفيديو كاملة، وليُحاسَب كلّ مرتكب، عميداً أو ممانعاً أو شيخاً يرتدي عمامة.
لم تكن المطالبة بإطلاق الموقوفين الإسلاميّين، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الأسير، يوماً مطلباً طائفيّاً بقدر ما كانت مطلباً لرفع المظلوميّة عن فئة من اللبنانيّين امتهنت المحكمة العسكريّة ظلمهم والتنكيل بهم، من دون أيّ مسوّغ قانونيّ أو دستوريّ.
“الحزب” والمحكمة العسكريّة
يروي أحد النوّاب في مجلس خاصّ، فيقول: “منذ عام 2000 احتكر “الحزب” تسمية رئيس المحكمة العسكريّة، وانتهت هذه الحصريّة شكليّاً في عهد رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون حين سمّى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي رئيس المحكمة العسكريّة الحاليّ. وعندما أُثيرت ضجّة كبيرة حول عقوبة “العشرة دولارات” للموقوفين من “الحزب” بتهمة نقل صواريخ وأسلحة، ارتفعت مطالبات بعزل رئيس المحكمة العسكريّة، فعُرض الأمر على برّي، الذي وافق بدايةً ثمّ تراجع مع اعتراض “الحزب”، وعندما تمّت مراجعته في ذلك قال: بسيطة، سامحوه هذه المرّة، وإن كرّر ذلك حاسبوه”.
ليست القضيّة عفواً عن مجرمين بقدر ما هي إزالة ارتكابات قضائيّة وعسكريّة وأمنيّة، بتوجيه من “الحزب”، ضدّ فئة لبنانيّة وازنة وشريكة في المعادلة الوطنيّة.
لماذا يكره إلياس بو صعب السُّنّة؟
تحوّل إلياس بو صعب، بين ليلة وضحاها، إلى خبير بتفخيخ اقتراحات القوانين بالألغام، إذ يضيف مفردة من هنا ومفردة من هناك، ثمّ يظهر على الشاشات مصرّحاً: “أيّ قانون لن يُفرج عن الشيخ الأسير”. صار من الصعب تمرير النائب بو صعب أو ابتلاعه لدى جمهور السُّنّة، وتحديداً أهالي الموقوفين.
يمكن تلخيص نقاط الخلاف والجدل الأساسيّة على النحو التالي:
1– قضيّة “الموقوفين الإسلاميّين” والشّيخ الأسير
جوهر الخلاف: يطالب العديد من النوّاب والشخصيّات السنّيّة بضرورة أن يشمل قانون العفو العامّ ما يُعرف بـ”الموقوفين الإسلاميّين” في سجن رومية، الذين قضى كثير منهم سنوات طويلة من دون محاكمة أو صدرت بحقّهم أحكام جائرة.
الاتّهامات الموجّهة إلى بو صعب: يتّهم بعض النوّاب والسياسيّين السُّنّة إلياس بو صعب بالترويج لصيغة “مفخّخة” أو تسوية مجتزأة لقانون العفو العامّ (بالتنسيق مع رئيس المجلس نبيه برّي). ويرى هؤلاء أنّ هذه الصيغة تسعى إلى استثناء حالات رمزيّة أساسيّة لدى الشارع السنّيّ، مثل الشيخ أحمد الأسير ومجموعته، بينما قد يستفيد منها، في المقابل، متّهمون آخرون في قضايا أمنيّة أو جنائيّة أخرى صُنّفت عقوباتهم بطريقة تتيح خروجهم سرّاً أو سريعاً، وعلى رأسهم الموقوفون في ملفّ نهر البارد المرتبطون بنظام بشّار الأسد الساقط.
2– السّجال الطّائفيّ والمزايدات السّياسيّة
يرفض بو صعب بوضوح مصطلح “الموقوفين الإسلاميّين”، معتبراً أنّ إعطاء الملفّ طابعاً طائفيّاً يضرّ به، ويربط طائفة معيّنة بالابتزاز أو الإرهاب. وقد صرّح علناً في عدّة مناسبات قائلاً: “أنا لا أحبّ تسميتهم بالموقوفين الإسلاميّين، وأنا معنيّ بهذا القانون أكثر من النواب السُّنّة، وأنا مسيحيّ”، مؤكّداً أنّ المظلوم مظلوم بغضّ النظر عن طائفته.
فيما يرى منتقدو بو صعب من النوّاب السُّنّة أنّ هذه التصريحات تحمل نوعاً من “الفوقيّة” أو الالتفاف على المطالب الفعليّة للشارع السنّيّ، ويلفتون إلى أنّ القانون بصيغته المطروحة يُهدر حقوق الموقوفين الذين يمثّلون قضيّة رأي عامّ ضاغطة في مناطقهم، مثل طرابلس وصيدا وعكّار.
3– “قانون بو صعب” وتهمة خداع النّوّاب السُّنّة
اتّهم نوّاب معارضون صيغة القانون التي يقودها بو صعب بأنّها محاولة لـ”غشّ” الشارع وبعض النوّاب السُّنّة، عبر تقديم وعود بتخفيضات في العقوبات (مثل خفض عقوبة الإعدام إلى 30 سنة سجنيّة، والمؤبّد إلى 20 سنة سجنيّة)، لكنّ “الشيطان يكمن في التفاصيل”، إذ تُبقي هذه الصيغة الباب مغلقاً أمام الشخصيّات الأكثر رمزيّة في ملفّ أحداث عبرا وبحنين، ولا تضمن عدالة حقيقيّة وشاملة لكلّ الموقوفين السياسيّين والأمنيّين من الطائفة السنّيّة.
إنسانيّة الملفّ والأحقاد الموروثة
يُعتبر ملفّ “الموقوفين الإسلاميّين” في لبنان من أكثر الملفّات القضائيّة والإنسانيّة تعقيداً وحساسيّة، وهناك شبه إجماع من المنظّمات الحقوقيّة والأهالي والقوى السياسيّة على أنّ مظلوميّة واضحة لحقت بقطاع واسع من هؤلاء الموقوفين.
تتعدّد أوجه هذا الظلم لتشمل الجوانب القانونيّة والإنسانيّة والسياسيّة:
1– غياب المحاكمات العادلة والتّوقيف الاحتياطيّ الطّويل
سنوات من دون محاكمة: قضى مئات الموقوفين سنوات طويلة (تجاوزت 10 أو 15 سنة في بعض الحالات) خلف القضبان تحت مسمّى “التوقيف الاحتياطيّ”، من دون أن تصدر بحقّهم أحكام قضائيّة، وهو ما يخالف القوانين اللبنانيّة والمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان.
تجاوز مدّة العقوبة المفترضة: بعض الموقوفين أمضوا في السجن فترات توقيف احتياطيّ تزيد على العقوبة القصوى المفترضة للتهم الموجّهة إليهم فيما لو حوكموا بشكل سريع.
2– إشكاليّة المحكمة العسكريّة
خضع ويخضع غالبيّة هؤلاء لمحاكمات أمام المحكمة العسكريّة الاستثنائيّة، وهو أمر تنتقده المنظّمات الحقوقيّة باستمرار.
تفتقر هذه المحاكمات، في نظر الكثير من الحقوقيّين، إلى الضمانات الكاملة للدفاع، وتعتمد أحياناً بشكل كبير على “اعترافات” انتُزعت تحت الضغط أو التعذيب أثناء التحقيقات الأوّليّة لدى الأجهزة الأمنيّة.
3– التّهم الفضفاضة والشّبهات السّياسيّة
شبهة الانتماء: حوكم كثير من الشبّان بناءً على تهم فضفاضة، مثل “الانتماء إلى تنظيم إرهابيّ” أو “تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة” (نظام بشّار الأسد)، وكان يكفي اتّصال هاتفيّ أو صلة قرابة عائليّة مع أحد المطلوبين لتوقيف هذا الشخص لسنوات. وشملت التوقيفات العشرات ممّن شاركوا في معارك طرابلس (باب التبّانة وجبل محسن)، ويرى أهالي الموقوفين أنّ أبناءهم دفعوا ثمن جولات عنف كانت تحرّكها وتموّلها قيادات سياسيّة نافذة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة.
4– الأوضاع المأساويّة داخل السّجون
يعاني الموقوفون في سجن رومية المركزيّ من اكتظاظ خانق (يفوق القدرة الاستيعابيّة للسجن عدّة أضعاف)، إلى جانب تراجع الرعاية الطبّيّة، نقص الغذاء، وتفشّي الأمراض، وهو ما يحوّل فترة التوقيف إلى عقوبة مضاعفة وغير إنسانيّة، حتّى قبل ثبوت الإدانة.
على الجانب الآخر، تبرّر جهات أمنيّة وقضائيّة رسميّة تأخّر المحاكمات بـ:
1- الحجم الضخم للملفّات، وتشعّب القضايا الأمنيّة، مثل ملفّات “فتح الإسلام”، أحداث عبرا، وأحداث عرسال وبحنين.
2- النقص العدديّ في القضاة واللوجستيّات غير الكافية لعقد محاكمات جماعيّة سريعة.
تصرّ بعض القوى السياسيّة على رفض أيّ عفو عامّ شامل من دون استثناءات صارمة، بذريعة أنّ ذلك قد يؤدّي إلى إطلاق سراح أشخاص تورّطوا بشكل مباشر في قتل عناصر وضبّاط من الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة.
المظلوميّة في هذا الملف ثابتة حقوقيّاً وإنسانيّاً، فالعدالة المتأخّرة هي “لا عدالة”، وبقاء مئات الأشخاص رهن الاعتقال لسنوات من دون حكم قضائيّ مبرم يمثّل ثغرة قانونيّة كبرى، ويُطالب المجتمع المدنيّ ودار الفتوى والقوى السياسيّة السنّيّة بإغلاقها عبر إقرار قانون عفو عادل، أو تسريع المحاكمات، وتخفيض السنوات السجنيّة. ويبقى ربط إنسانيّة الملفّ بأحقاد الآخرين الموروثة أمراً مرفوضاً، فيما الحلّ الوحيد إعادة فتح ملفّ عبرا وكلّ ملفّات المحكمة العسكريّة، وهي الحلّ العادل للجميع، وتحديداً للإنسان، بعيداً عن دينه ولونه.
أساس ميديا - زياد عيتاني
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|