واشنطن تدق ناقوس الخطر... إيران تكشف سلاحًا يربك الدفاعات الأميركية
حرمان كنسي وحالة انشقاق... ترسيم أربعة أساقفة يشعل أزمة جديدة
في الأول من تموز الحالي، دقت الأجراس في وادي الجبل في مدينة إكون السويسرية، بعد مراسم ترسيم جمعية "القديس بيوس العاشر" أربعة أساقفة من دون الحصول على تفويض بابوي. هذه الخطوة دفعت بالكرسي الرسولي إلى إصدار قرار بالحرمان الكنسي وإعلان حالة الانشقاق ضد الجمعية.
لم يكن ترسيم الأساقفة الأربعة مفاجئاً، إذ سبق هذا الترسيم رسائل متبادلة بين جمعية "القديس بيوس العاشر" SSPX والفاتيكان، قبل أن تصل إلى حائط مسدود، فتُعيد عقارب الساعة إلى العام 1970 بداية الاختلاف داخل الكنيسة لتخرج اليوم بأحداث متشابهة وآراء متفاوتة بين من يدافع عن قرار الفاتيكان ومن يعتبره مجحفاً وغير عادل.
أحدثت مراسيم ترسيم الأساقفة الأربعة باسكال شرايبر (كاهن سويسري يبلغ من العمر 53 عاماً)، ومايكل غولداديه (من أصول تعود إلى ولاية داكوتا الشمالية ونشأ في كانساس في الولايات المتحدة)، وميشال بوانسينيه دو سيفري (يبلغ 42 عاماً)، ومارك هابييه (يبلغ 36 عاماً)، وكلاهما من فرنسا، جدلاً واسعاً بين من رأى فيه عملاً انشقاقياً عن الكنيسة والفاتيكان، وبين من دافع عن الجمعية بأحقيّة تصرّفها إيماناً منها بالدفاع عن العقيدة الكاثوليكية والتقليد الكنسي.
وفي بيان أصدرته في 2 شباط، أعلنت "جمعية القديس بيوس العاشر"، المعروفة بمعارضتها للنقاط التي أقرّها المجمع الفاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي، نيتها سيامة أربعة أساقفة جُدد. وبررت الجمعية هذه الخطوة بضرورة "الحفاظ على التقليد الكاثوليكي الأصيل" وتوفير عدد كافٍ من الأساقفة لخدمة رعاياها، نظراً إلى تبقّي اثنين فقط من أساقفتها.
هذه الدعوة الصريحة جوبهت بالرفض، واستتبتعها رسالة وجهها البابا لاوُون الرابع عشر بتاريخ 29 حزيران/ يونيو 2026، عيد القديسَين بطرس وبولس، إلى الرئيس العام لأخوية القديس بيوس العاشر الكهنوتية الأب دافيدي بالياراني، مطالباً إياه بالعدول عن سيامة أساقفة جدد من دون تفويض حبري.
ماذا تقول جمعية "القديس بيوس العاشر" لـ"النهار"؟
أعادت هذه التطورات إحياء واحد من أكثر الملفات حساسية داخل الكنيسة الكاثوليكية، إلا أن ما يظهر إلى العلن لا يعكس بالضرورة عمق الخلاف القائم. فالأزمة لا تقتصر على مسألة سيامة أساقفة من دون إذن بابوي، بل تمتد إلى اختلافات لاهوتية وكنسية تراكمت على مدى أكثر من نصف قرن. ولفهم حقيقة ما يجري بين الفاتيكان وهذه الجمعية علينا التعمق أكثر في وجهات النظر لكل طرف والاستماع إليها بموضوعية تامة.
في حديث لـ"النهار" تعترف جمعية "القديس بيوس العاشر" في لبنان أنها تلقت القرار الصادر عن الكرسي الرسولي بحق الجمعية بكثير من الحزن، ولكن بروح من الهدوء والثقة بالله، وليس بروح المواجهة أو التمرّد".
تؤكد الجمعية أن رغبتها الدائمة "هي خدمة الكنيسة الكاثوليكية وخلاص النفوس. ونرى أن رسالتنا في المحافظة على الإيمان الكاثوليكي التقليدي، والاحتفال بالأسرار المقدسة وفق الطقس التقليدي، وتكوين وتنشئة الكهنة على الغيرة وقيم الإنجيل، ستستمر كما كانت" آملةً أن يبقى باب الحوار مفتوحاً في إطار الاحترام المتبادل والبحث الصادق عن الحقيقة.
عن أبرز نقاط الخلاف بين الجمعية والكرسي الرسولي، ولا سيما في ما يتعلق بنقاط المجمع الفاتيكاني الثاني، تشدد الجمعية على أن "النقاط التي نعتبرها محل نقاش ليست جديدة، بل هي معروفة منذ سنوات. وهي تتعلق أساساً بتفسير بعض نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني، ولا سيما في ما يخص الحرية الدينية، والحركة المسكونية، والحوار مع الأديان، وبعض جوانب مبدأ الجمعية السينودوسية أو الزمالة الأسقفية".
لذلك ترى الجمعية أن هذه المسائل ينبغي أن تُفهم وتُناقش في ضوء التقليد الدائم للكنيسة وتعليمها المستمر، لأن أساس التعليم يبقى الكتاب المقدس والتقليد الرسولي وآباء الكنيسة؛ وتعتبر ذلك مصدراً أساسياً ووحيداً لتعليم الكنيسة ورسوليتها.
وتوضح جمعية "القديس بيوس العاشر" في لبنان أن كل ما من شأنه أن يزيد الانقسامات يسبب لنا الألم؛ فنحن لا نسعى إلى الانقسام، بل نرغب في وحدة الكنيسة القائمة على الحقيقة والمحبة. ولذلك نواصل الصلاة من أجل البابا، ومن أجل الكنيسة كلها، راجين أن يتم تجاوز هذه الصعوبات بروح العدالة والحوار والتواضع والتعاضد والأخوّة والإيمان والمحبة".
الأولوية اليوم - وفق الجمعية - هي الاستمرار في أصالة الحياة الروحية وفي رسالتنا الكنسية الروحية وخدمة المؤمنين، مع الاتكال على العناية الإلهية، في حين أن اتخاذ أي خطوات قانونية أو كنسية محتملة هي من صلاحية مسؤولي الجمعية وحدهم، وهم الذين يقررون ما يرونه مناسباً في الوقت المناسب.
عمل انشقاقي أول قبل نحو 38 عاماً
تعود جذور الأزمة بين جماعة القديس بيوس العاشر والفاتيكان إلى ما بعد انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، الذي أقرّ سلسلة إصلاحات جوهرية داخل الكنيسة الكاثوليكية، شملت الليتورجيا، والحوار المسكوني، ومفهوم الحرية الدينية.
وقد اعتبر رئيس الأساقفة الفرنسي مارسيل لوفيفر، مؤسس الجماعة عام 1970، أن بعض هذه الإصلاحات تمثل خروجاً عن التقليد الكاثوليكي الراسخ، فأسّس جماعة "القديس بيوس العاشر" التي تتمسك بالقداس اللاتيني التقليدي وترفض عدداً من التوجهات العقائدية التي أقرها المجمع.
وبلغ الخلاف ذروته عام 1988، عندما أقدم المطران لوفيفر على سيامة أربعة أساقفة من دون تفويض بابوي، في خطوة اعتبرها الفاتيكان "عملاً انشقاقياً"، وأدت إلى فرض الحرمان الكنسي عليه وعلى الأساقفة الذين سامهم. ورغم أن البابا بنديكتوس السادس عشر رفع الحرمان الكنسي عن الأساقفة الأربعة عام 2009 في إطار مساعٍ لإعادة الحوار، فإن الخلافات العقائدية بين الطرفين لم تُحسم، ليتكرر التاريخ اليوم بعد رسامة أربعة أساقفة جدد للجمعية.
الكنيسة الكاثوليكية: رسامات الجمعية مخالفة جسيمة
رغم أن جذور الخلاف تعود إلى أكثر من خمسة عقود، فإن التطورات الأخيرة أعادت الجماعة إلى واجهة النقاش الكنسي.
يرى عميد كلية العلوم الدينية واللاهوتية في جامعة الحكمة، ومقرر اللجنة الأسقفية للعلاقات المسكونية في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، الخوري طانيوس خليل، أن "سيامة أساقفة من دون تفويض بابوي تُعد، بموجب القانون الكنسي للكنيسة الكاثوليكية، مخالفة جسيمة".
ويستند قرار الكنيسة إلى أحكام مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينية (CIC) الصادرة عام 1983، والتي تنص في القانون 1387 على أن "الأسقف الذي يمنح السيامة الأسقفية من دون تفويض حبري، وكذلك الأسقف الذي يتلقى هذه السيامة، يتعرضان لعقوبة الحرم الكنسي التلقائي، وهي عقوبة محفوظة للكرسي الرسولي وحده، الذي يملك صلاحية البت بها ورفعها".
ويشير خليل إلى أن هذا النص القانوني وُضع عام 1982، إلا أن تطبيقه برز بصورة واضحة عام 1988، عندما أصدر البابا يوحنا بولس الثاني الرسالة الرسولية Ecclesia Dei (كنيسة الله) عقب السيامات الأسقفية التي أجراها المطران مارسيل لوفيفر من دون تفويض بابوي، معتبراً أنها تشكل عملاً انشقاقياً استوجب فرض عقوبة الحرمان الكنسي.
وتنص مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية (CCEO) بدورها على وجوب الحصول على تفويض حبري قبل سيامة أيّ أسقف، بما يتوافق مع الأحكام الواردة في مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينية. لذلك، تعتبر الوثائق الصادرة عن الفاتيكان بشأن هذه الجماعة أن إجراء سيامة أسقفية من دون إذن بابا روما يُشكّل إحدى أخطر المخالفات الكنسية، لما يترتب عليها من عقوبة الحرم والانفصال الفعلي عن الشركة الكاثوليكية.
ماذا يحدث بعد إعلان الانشقاق؟
يشرح خليل أنه عندما تُجرى سيامة أسقفية من دون موافقة أو تفويض بابوي، يتخذ الكرسي الرسولي سلسلة من الإجراءات الكنسية الفورية. وتتمثل الخطوة الأولى بإعلان أن الجماعة دخلت في حالة انشقاق، عبر مرسوم يصدر عن الفاتيكان يحدد وضعها الكنسي. أما الخطوة الثانية، فتتمثل بفرض عقوبة الحرم الكنسي التلقائي على الأساقفة الذين أجروا السيامة والذين تلقوها، وفقاً لأحكام القانون الكنسي.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل بفقدان هذه الجماعة الصلاحيات القانونية لممارسة عدد من الأسرار الكنسية، مثل سر الزواج، وسر التوبة والمصالحة، وسواها من الأسرار التي تتطلب تفويضاً كنسياً مشروعاً. وبالتالي، فإن الممارسات التي تقوم بها الجماعة لا تُعدّ، من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، ممارسات كنسية مشروعة.
مع ذلك - وفق خليل - "يبقى الباب مفتوحاً أمام أعضاء هذه الجماعة للعودة إلى الشركة الكاثوليكية، وذلك من خلال إعلان التزامهم بتعليم الكنيسة الرسمي، والإقرار بسلطة الكرسي الرسولي، وتجديد إعلان إيمانهم وفق الأصول الكنسية".
لكن ماذا يعني الحرمان الكنسي؟ وما آثاره على الأشخاص أو الجماعات المشمولة به؟
يوضح عميد كلية العلوم الدينية واللاهوتية في جامعة الحكمة أنه "عندما أقدم المطران مارسيل لوفيفر عام 1988 على سيامة أربعة أساقفة من دون تفويض حبري من البابا يوحنا بولس الثاني، فُرضت عليه وعلى الأساقفة الأربعة عقوبة الحرم الكنسي التلقائي، وهي تُعد من أشد العقوبات التي ينص عليها القانون الكنسي".
يؤكد أن الحرم الكنسي هو عقوبة علاجية وليست طرداً نهائياً من الكنيسة، لأن الشخص المعمّد يبقى عضواً فيها، لكنه يُحرم موقتاً من ممارسة بعض الحقوق والمهام الكنسية إلى حين توبته وعودته إلى الشركة الكنسية. فعندما يُقال إن كاهناً محروم، فهذا يعني أنه لا يحق له ممارسة خدمته الكهنوتية، كترؤس الاحتفال بالإفخارستيا، أو منح سرّ التوبة، أو الاحتفال بسرّ الزواج، إلى أن تُرفع عنه العقوبة بعد توبته واستيفائه الشروط الكنسية اللازمة".
بالتالي، إن اتخاذ هذا القرار من الكنيسة يحمل بعدين: البعد الأول يتمثل بحماية وحدة الكنيسة، والثاني والأهم هو نداء ودعوة لعودة الأشخاص المنفصلين. كذلك، يرى أن ترسيم أسقف لأسقف آخر من دون تفويض من السلطة الكنسية يُشكل انقسامات متعددة داخل الكنيسة، ما يُسبب قطع للشراكة الكنسية. لذلك، هذا القرار ليس تشجيعاً على الانقسامات، وإنما ردع وحماية المؤمنين من هذه الالتباسات.
وبين تمسك جمعية القديس بيوس العاشر بما تعتبره دفاعاً عن التقليد الكاثوليكي، وإصرار الفاتيكان على أن وحدة الكنيسة لا تستقيم خارج إطار الشركة مع الكرسي الرسولي، يبقى الخلاف مفتوحاً على احتمالات متعددة.
فالقضية لم تعد مجرد سيامة أساقفة من دون تفويض بابوي، بل تعكس صراعاً مستمراً بين المحافظة على التقليد الكنسي من جهة، والالتزام بالسلطة الكنسية الجامعة من جهة أخرى. وفي ظل استمرار الدعوات إلى الحوار، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت السنوات المقبلة ستقود إلى مصالحة تعيد طي صفحة امتدت لأكثر من نصف قرن، أم أن الهوة بين الطرفين ستزداد اتساعاً.
النهار - ليلى جرجس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|