الصحافة

العبارة التي أربكت الضاحية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ اللحظة التي وصف فيها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم رئيس الجمهورية جوزاف عون بأنه "لم يعمل كحكم وجامع بل أصبح طرفاً ومفرقاً"، بدا واضحاً أن الخطاب لا يقرأ بمعزل عن سياقه. فالعبارة، بقسوتها ومباشرتها، لم تصدر في فراغ سياسي، بل جاءت في لحظة إقليمية ووطنية دقيقة، تتقاطع فيها مسارات التفاوض مع إسرائيل، وتتقاطع فيها أيضاً حسابات داخلية أدق بكثير مما توحي به لغة المواجهة العلنية. والمفارقة أن هذا الكلام، الموجّه ظاهرياً إلى رأس الهرم السياسي في لبنان، يحمل في طياته عنواناً آخر أقرب إلى بيروت الثانية: عين التينة.

لم يكتفِ قاسم بانتقاد أداء السلطة السياسية في التعاطي مع ملف التفاوض المباشر مع إسرائيل، بل ذهب إلى حدّ نزع صفة "الحَكَم" عن رئيس الجمهورية، معتبراً أن الرئاسة تحوّلت من موقع جامع إلى موقع طرف يغذي الانقسام. هذا التوصيف يمسّ جوهر الدور الدستوري الذي يفترض أن يلعبه رئيس الجمهورية بوصفه ضامناً للتوازن بين مكونات النظام، لا فريقاً في صراعاتها.

لكن من يتابع المشهد الشيعي عن قرب يدرك أن هذا النوع من الخطاب لا يُقرأ فقط في اتجاه بعبدا. فحزب الله، حين يشدّد على هذه اللهجة في وقت تشهد فيه العلاقة بين الرئاسة الأولى والرئاسة الثانية انفراجاً لافتاً، يبدو معنياً بإرسال إشارة داخلية، إلى الحليف الاستراتيجي في "الثنائي الشيعي"، مفادها بأن أي تقارب مع بعبدا يجب أن يبقى محكوماً بسقف موحّد، لا أن يتحول إلى مسار منفصل يفرض وقائع جديدة على طاولة القرار الشيعي المشترك.

الوقائع الميدانية تسند هذه القراءة. فبعد أشهر من الجفاء غير المعلن بين قصر بعبدا وعين التينة، جمع قصر بعبدا الرئيسين، في لقاء وُصف بأنه "إيجابي جداً"، تناول تفاصيل زيارة عون إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، إضافة إلى الوضع في الجنوب والتطورات المرتبطة بالمفاوضات. وقد غادر بري القصر بعبارة موجزة لكنها دالة، قال فيها إنه "كالعادة مرتاح للقاء".

هذا اللقاء لم يكن الأول من نوعه في الأسابيع الأخيرة، إذ سبق أن التقى الرئيسان في مناسبة مماثلة، وأكد بري حينها أنه بوجود رئيس الجمهورية يشعر بالاطمئنان. وبين اللقاءين، بدا أن ثمة قناة تواصل منتظمة تُعاد صياغتها بين الطرفين، بعدما كانت شبه مقطوعة سياسياً في مراحل سابقة من عهد عون، تحديداً حول ملفات حساسة مثل مقاربة سلاح حزب الله ومسار التفاوض مع إسرائيل.

والأهمّ من اللقاءات نفسها هو ما كشفته مصادر متابعة عن أن المبادرة إلى إعادة فتح الخط بين الرجلين جاءت من الرئيس عون نفسه، الذي راهن، وفق هذه المصادر، على قدرة بري على "تدوير الزوايا" في أي استحقاق سياسي مقبل، وسعى إلى توحيد الموقف اللبناني قبل الدخول في استحقاقات دقيقة، أبرزها الجولات المقبلة من التفاوض مع إسرائيل في روما.

إذا كان اللقاء بين عون وبري كافياً لإثارة انتباه حزب الله، فإن ما زاد المشهد تعقيداً هو ما صدر عن الرئيس عون خلال زيارته للبيت الأبيض. فقد حرص عون، في حديثه مع ترامب، على تظهير موقع بري بوصفه "رجل دولة"، وربط بحثه عن شركاء جديين في مشروع الدولة بالدور الذي يمكن أن يلعبه رئيس مجلس النواب في إنضاج التسويات الصعبة. وترامب نفسه، في تصريح لافت خلال استقباله عون، وصف بري بأنه "شخص جيد"، وقال إنه حين يرى التقدّم الذي تحقق سينضم إلى المسار الأميركي اللبناني، في رسالة مباشرة إلى "الثنائي الشيعي" المتحفظ على اتفاق الإطار.

لا يمكن قراءة مواقف القيادات في حزب الله بمعزل عن الحرص الإيراني الدائم على إبقاء الرئيس بري في صورة كل التفاصيل الدقيقة المرتبطة بالحرب ومسارها، بوصفه الحليف الذي يمتلك من الخبرة والعلاقات ما يؤهله لإدارة الملفات ذات البعد الحسابي الضيق، من دون قطيعة كاملة مع الخارج. فمنذ اليوم الأول للحرب، عملت طهران على تظهير الثنائية الشيعية - "حزب الله" وحركة أمل، كمنظومة متماسكة، تتحرك بتناغم يمنع أي محاولة لفصل أحد طرفيها عن الآخر، خصوصاً أن أي ارتداد إقليمي أو داخلي ناتج عن الحرب قد يُستثمر لإحداث شرخ داخل هذا التحالف التاريخي.

من هذه الزاوية، يصبح خطاب قاسم الأخير أقرب إلى رسالة ضبط إيقاع منها إلى مجرد موقف سياسي عابر تجاه رئيس الجمهورية. فالحزب، الذي يدرك حجم التقارب بين بعبدا وعين التينة، وحجم الرهان الأميركي على بري كصمام أمان في أي تسوية مقبلة، يبدو معنياً بالتذكير بأن أي انفتاح شيعي على بعبدا يجب أن يمر عبر البوابة الثنائية، لا أن يتحول إلى مسار مستقل يمنح الطرف الآخر أوراقاً إضافية على طاولة التفاوض الداخلي والإقليمي.

شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا