خيوط خلية المسيّرات في العراق... شبكة إقليمية خلف الهجمات؟
تتجاوز خيوط خلية المسيّرات التي فككتها الأجهزة الأمنية العراقية قبل أيام حدود عناصرها الثلاثة والمعدات التي ضُبطت بحوزتهم. فالمعلومات الأولية عن تحركات أفرادها وصلاتهم السابقة تفتح ملفاً أكثر حساسية يتعلق بشبكات تشغيل المسيّرات داخل العراق، والجهات التي تموّلها وتجهزها وتحدد أهدافها، وصولاً إلى احتمال ارتباطها بشبكات تمتد خارج الحدود.
ويأتي كشف الخلية فيما تواجه بغداد ضغوطاً متزايدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لاستهداف دول الجوار، ولا سيما السعودية التي أعلنت أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية اعتراض مسيّرات قالت إنها جاءت من الأجواء العراقية.
ففي 17 أيار/مايو 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير 3 مسيّرات قالت إنها دخلت المجال الجوي للمملكة قادمة من العراق، محذرة من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة أي محاولة تستهدف أمن المملكة وسيادتها. وفي أواخر تموز/يوليو، أعلنت الرياض اعتراض مسيّرات أخرى قالت إنها انطلقت مجدداً من الأراضي العراقية وحاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية.
وعقب تلك التطورات، شنت السعودية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، ضربات جوية استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي في مدن عراقية مختلفة، وأسفرت عن قتلى وجرحى. وفتحت بغداد إثر ذلك تحقيقاً في ملابسات إطلاق المسيّرات، لتتحول القضية من حوادث أمنية متفرقة إلى ملف يمس علاقات العراق بدول المنطقة وقدرته على منع استخدام أراضيه لشن هجمات خارجية.
خلية خارج الهياكل التقليدية
العملية التي نفذها جهاز مكافحة الإرهاب بالتعاون مع جهاز المخابرات الوطني أسفرت عن اختراق شبكة سرية واعتقال 3 من عناصرها، إلى جانب ضبط مسيّرات ومعدات تشير التحقيقات الأولية إلى أنها كانت معدّة لتنفيذ هجمات خارج العراق.
وأكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أن الجهازين تمكنا من اختراق الشبكة وتفكيكها ومصادرة معدات كانت بحوزتها، بينها طائرات مسيّرة، مشيراً إلى أنها كانت تخطط لاستهداف أهداف محددة.
لكن مصادر عراقية مطلعة كشفت لـ"النهار" أن أهمية العملية تتجاوز عدد المعتقلين والمعدات المصادرة، إذ تشير المعلومات الأمنية الأولية إلى أن "الخلية تعمل خارج الهيكل التقليدي المعروف للفصائل المسلحة، ضمن نمط أكثر سرية يقوم على خلايا صغيرة ذات طبيعة عملياتية واستخبارية.
ويضع ذلك أمام المحققين سلسلة من الأسئلة بشأن مصادر التمويل والتسليح، وطرق نقل المسيّرات وتجهيزها، وشبكات الاتصال المستخدمة، وصولاً إلى الجهة التي تحدد الأهداف وتتخذ القرار العملياتي.
وبحسب المصادر، كان عناصر الخلية يتحركون بين بغداد ومحافظة بابل، ولدى بعضهم صلات سابقة بـ"كتائب حزب الله". و"تدقق الأجهزة الأمنية في طبيعة هذه العلاقات وشبكة الاتصالات التي اعتمدتها الخلية، وسط مؤشرات لارتباطها بمنظومة أوسع من الشبكات المسلحة الإقليمية على صلة بالحرس الثوري الإيراني وجماعة الحوثيين في اليمن".
خيوط الخلية تصل إلى جرف الصخر
تقود خيوط التحقيق أيضاً إلى جرف الصخر في محافظة بابل، إحدى أكثر المناطق حساسية في ملف المسيّرات، بعدما تحولت منذ سنوات إلى منطقة عسكرية مغلقة ارتبط اسمها بنشاط "كتائب حزب الله" وقدراتها في مجال المسيّرات والصواريخ.
وسبق لـ"معهد واشنطن" أن وثق وجود منشآت ونشاطات مرتبطة بالطائرات من دون طيار في جرف الصخر، واعتبر المنطقة خاضعة لسيطرة حصرية للكتائب، فيما تحدثت تقارير أخرى عن استخدام مواقع فيها لتخزين الصواريخ والتدريب على تشغيل المسيّرات الهجومية.
وهنا تحديداً تتجاوز أهمية التحقيق إحباط هجوم محتمل. فالمعلومات التي تجمعها الأجهزة من المعتقلين وشبكة اتصالاتهم والمعدات المضبوطة قد تساعد، بحسب المصادر، في رسم خريطة أوسع للبنية التي تشغّل المسيّرات، من التمويل والتجهيز والتخزين إلى نقلها وتحديد أهدافها وإطلاقها.
وتزداد صعوبة تعقب هذه الشبكات مع التطور النوعي الذي طرأ على المسيّرات خلال السنوات الأخيرة، وتحولها إلى وسيلة هجومية قادرة على بلوغ أهداف بعيدة نسبياً، فيما يمكن تشغيلها بواسطة مجموعات صغيرة يصعب اكتشافها قبل التنفيذ.
من يملك القرار العملياتي؟
يتقاطع كشف الخلية مع وضع الحكومة العراقية ملف حصر السلاح وتوحيد القرار الأمني تحت سلطة الدولة ضمن أولوياتها. وسبق للعبودي أن شدد على أن حصر السلاح يمثل محوراً أساسياً في المنهاج الحكومي، وأن القرار الأمني يجب أن يكون موحداً تحت سلطة المؤسسات الرسمية.
لذلك، يتركز جانب أساسي من التحقيق على ما يتجاوز هوية العناصر الثلاثة: من يموّل الشبكة؟ من يوفر المسيّرات؟ أين تُخزن؟ من يحدد الهدف؟ ومن يتخذ قرار الإطلاق؟
وكشفت المصادر أن التحقيقات الأولية "أظهرت وجود صلات خارجية، فيما تعمل الأجهزة الأمنية على تحديد طبيعة الشبكات العابرة للحدود التي قد تربط جماعات مسلحة داخل العراق بجهات إقليمية تمتلك خبرة في تشغيل المسيّرات وتنفيذ الهجمات بعيدة المدى".
ويقرأ الخبير في الشؤون العسكرية اللواء أحمد الدليمي، في حديث لـ"النهار"، توقيف عناصر الخلية قبل انتقالهم إلى مرحلة التنفيذ باعتباره "مؤشراً إلى تطور العمل الاستخباري، خصوصاً أن ملاحقة خلايا المسيّرات تختلف عن التعامل مع الجماعات المسلحة التقليدية".
فهذه الخلايا، وفق الدليمي، تعتمد على مجموعات صغيرة ودرجة عالية من السرية، وقد تقتصر مهمة إحداها على تنفيذ عملية واحدة، "ما يجعل اختراقها قبل الهجوم أكثر أهمية من ملاحقة عناصرها بعد التنفيذ". ويرى أن حساسية المسألة تتضاعف مع الهجمات التي يُعلن عن انطلاقها من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار، بما يضع الأجهزة أمام مسؤولية حماية الأمن الداخلي ومنع استخدام أراضي البلاد لتهديد دول أخرى.
وبالنسبة إلى الدليمي، فإن توقيف عناصر الخلية يمثل "بداية المسار"، فيما تكمن الأهمية في المعلومات التي باتت في حوزة الأجهزة الأمنية، وما إذا كانت ستقود إلى شبكات أخرى مرتبطة بها وتكشف مسارات تجهيز المسيّرات وإطلاقها.
وإذا قادت الاعترافات والمعدات المضبوطة إلى حلقات أخرى، فقد تتحول القضية من تفكيك خلية كانت تستعد لهجوم إلى كشف جزء من شبكة تشغيل أوسع. وهنا يكمن الاختبار الأصعب لبغداد: الوصول من المنفذين ومواقع الإطلاق إلى الجهات التي توفر القدرات وتحدد الأهداف، وصولاً إلى معرفة من يملك فعلياً قرار إطلاق المسيّرات من العراق.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|