الصحافة

إسرائيل تتوسّع بالشّرق الأوسط وتتقلّص في أميركا

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ثمّة مفارقة بدأت تفرض نفسها على المشهد الإسرائيليّ الأميركيّ: كلّما اتّسعت إسرائيل على خريطة الشرق الأوسط، ضاقت في الولايات المتّحدة. وقد عبّر عن هذا التحوّل حدثان انتخابيّان متتاليان لا يمكن التعامل معهما بوصفهما مصادفتين: فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، ثمّ فوز عبدول السيّد في الانتخابات التمهيديّة للحزب الديمقراطيّ لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.

 في الشرق الأوسط، تمضي إسرائيل في توسيع رقعة الحرب والاحتلال، من غزّة إلى لبنان وسوريا، وتراكم على الأرض المزيد من الوقائع العسكريّة والجغرافيّة. لكن في الداخل الأميركيّ تبدو الصورة معاكسة تماماً: نفوذٌ يتآكل، وصورةٌ تتصدّع، ومسافةٌ آخذة في الاتّساع بينها وبين قطاعات متزايدة من الرأي العامّ الأميركيّ، ولا سيما الأجيال الأصغر سنّاً. وهو ما يجعل قدرتها على احتكار التعاطف والنفوذ داخل أميركا تبدو، في المقابل، أمام اختبار غير مسبوق منذ قيام الدولة سنة 1948.

إسرائيل في واشنطن

غالبيّة استطلاعات الرأي التي أُجريت أخيراً في أميركا تشير بوضوح إلى تراجع تأييد إسرائيل في صفوف الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ، وإن بنسب متفاوتة، حتّى يمكن الحديث عن جناحين في كلّ من الحزبين الأميركيَّين: واحد مؤيّد لإسرائيل يتراجع إلى الخلف مفسحاً المجال لجناح آخر أقلّ تأييداً لها وأكثر رغبةً في خفض الدعم العسكريّ الأميركيّ غير المحدود لها. والأهمّ أنّ الجناح الأخير هذا في غالبيّته مكوَّن من الفئات العمريّة الشابّة.

أشار استطلاع معهد “بيو” للأبحاث، الذي أُجري الشهر الماضي، إلى أنّ 60% من الأميركيّين باتوا يحملون نظرةً سلبيّةً تجاه إسرائيل، وأظهر أنّ 80% من الديمقراطيّين ينظرون إليها بشكل سلبيّ. وسجّل الشباب تحت سنّ 30 عاماً، خاصّة جيل “زد”، تحوّلاً كبيراً تجاهها: 58% من الشباب الأميركيّين لديهم نظرة إيجابيّة تجاه الشعب الفلسطينيّ مقابل 32% فقط تجاه الإسرائيليّين.

في الفترة نفسها أيضاً أظهر استطلاع لوكالة “أسوشيتد برس” ومركز “نورك” أنّ 40% من الأميركيّين يرون أنّ الولايات المتّحدة “داعمة أكثر من اللازم” لإسرائيل، وتصل إلى 58% بين الديمقراطيّين. أخطر ما أظهره هذا الاستطلاع أنّ نحو ثلث الأميركيّين ونصف الديمقراطيّين تقريباً يرون أنّ العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة في غزّة ترقى إلى مستوى “الإبادة الجماعيّة”.

ما أظهره هذان الاستطلاعان وغيرهما لم يبقَ أرقاماً في دراسة أو على ورق، بل لقي ترجمة فعليّةً وفوريّةً تجلّت أخيراً في فوز عبدول السيّد المعارض بشدّة للمساعدات العسكريّة الأميركيّة لإسرائيل في الانتخابات التمهيديّة لمجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطيّ في ولاية ميشيغان ضدّ النائبة هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم تجاوز 30 مليون دولار من الإنفاق من قبل لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة (أيباك) والجماعات التابعة لها. قبله، فاز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك ولم يخفِ يوماً موقفه تجاه إسرائيل التي وصفها بأنّها “نظام فصل عنصريّ” ووصف حربها على غزّة بأنّها “حرب إبادة جماعيّة”.

… وفي تل أبيب

لم يعد سرّاً تراجع مكانة إسرائيل في الولايات المتّحدة، ولم يعد محصوراً خارج حدود إسرائيل. قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ السابق وزعيم المعارضة اليوم يائير لابيد في “مؤتمر هرتسليا” الشهر الماضي: “لم تكن العلاقات الخارجيّة لإسرائيل قطّ في هذا المستوى المنخفض”. صحيح أنّه خفّف من نتائج هذا الأمر عبر زعمه وجود إمكانيّة لإصلاح هذا العزل المتزايد لأنّ “هناك تفهّماً في العالم أنّ مشكلة إسرائيل ليست الدولة، بل الحكومة”، إلّا أنّ العقبى في النتائج.

أمّا نتنياهو نفسه، الذي يعرف تماماً إلى أين وصلت العلاقات بين بلاده والولايات المتّحدة، فأعلن صراحةً: “أريد وقف المساعدات الأميركيّة. إنّها أشبه بالإعانة الاجتماعيّة. لا أريدها”، وأضاف: “أقدّر كثيراً الدعم الذي تلقّيناه من أصدقائنا الأميركيّين، ولكن يتعيّن علينا أن نتحرّر من التبعيّة وأن نبني شبكة تسليح مستقلّة خاصّة بنا. يجب أن نصنع أسلحتنا بأنفسنا”. ربّما يستبق نتنياهو بهذا ما يمكن أن تصل إليه الأمور بين البلدين.

إسرائيل موضوع أميركيّ خلافيّ

إسرائيل اليوم موضوع خلافيّ في أوساط الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ، وربّما كلام نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس أخيراً خير دليل على ما سبق. فقد صرّح علانيةً بأنّ “إسرائيل تخسر حاليّاً معركة الرأي العامّ في الولايات المتّحدة”، حاثّاً الإسرائيليّين على “الاستيقاظ وشمّ رائحة الواقع الذي تعيشه بلادهم” بدلاً من مهاجمة الحليف الوحيد القويّ الباقي لهم (يقصد الولايات المتّحدة). ودي فانس كما هو معروف قد يكون المرشّح الجمهوريّ مستقبلاً ليصبح سيّد البيت الأبيض.

الرجوع إلى تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه مُفيد في هذا السياق، فقد نقلت عنه وسائل إعلام قوله ما لم يصرّح به رئيس أميركيّ سابقاً في حقّ إسرائيل، من قبيل: “من دوني لن تكون هناك إسرائيل لأنّه لم يكن أيّ رئيس آخر مستعدّاً لفعل ما فعلته من أجلها”، و”لولا تدخّلي لكانت إسرائيل قد أُبيدت تماماً”. يُظهر هذان التصريحان بوضوح الدرك الذي وصلت إليه إسرائيل. أكثر من ذلك، ما سرّبه موقع أكسيوس الأميركيّ وغيره عن مشادّة كلاميّة نشبت بين الرجلين في اتّصال هاتفيّ جرى أخيراً بينهما نعته فيه نتنياهو بنعوت غير لائقة، يدخل في هذا السياق.

راهن نتنياهو على الحزب الجمهوريّ، وتفاخر بصداقته مع ترامب، حتّى ليبدو القشّة الأخيرة التي يتمسّك بها خشية الغرق: غرقه هو وغرق إسرائيل معه. فقد وحّد نتنياهو بينه وبين إسرائيل حتّى غدت الأخيرة مثله تماماً: رجلاً معزولاً سياسيّاً يخشى الملاحقة والسجن ومطلوباً للمحكمة الجنائيّة الدوليّة، ويخشى زيارة الكثير من الدول المؤثّرة في العالم.

في المحصّلة، لا تزال إسرائيل الدولة ذات الرقم واحد بالنسبة للولايات المتّحدة، خاصةً في الشرق الأوسط، على الرغم من المؤشّرات المتزايدة إلى تراجع مكانتها هذه. صحيح أنّ استطلاعات الرأي والأحداث السياسيّة والعسكريّة المتلاحقة في منطقتنا تُظهر تراجعاً في مكانة إسرائيل في أميركا، وتبايناً بين ما تريده كلّ من الدولتين، وهو ما أعلنه دي فانس صراحةً بقوله: “ليس بالضرورة أن تتطابق دائماً المصالح الأميركيّة مع المصالح الإسرائيليّة”، لكنّ النفوذ الإسرائيليّ والصهيونيّ واليهوديّ لا يزال من الأكثر تأثيراً في واشنطن.

أيمن جزيني - أساس ميديا 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا