الصحافة

4 حقائق مرعبة عن انفجار مرفأ بيروت...!

 

ستمر اليوم الذكرى الثانية لانفجار مرفأ بيروت تماما كما مرت الذكرى الأولى. أهالي يبكون ويتأوهون، مسيرات تجول الاحياء والطرقات، صور الضحايا محمولة على الأكف والأعمدة، تقارير صحافية لا تنتهي عن المآسي التي خلفتها الكارثة، استنكار لتعطيل التحقيقات، مطالبة بالحقيقة والعدالة..وغدا يكون يوم آخر. هذا بحد ذاته مرعب. مرعب رضوخنا، مرعب تقبلنا للواقع، مرعب عودتنا الى الحياة وكأن شيئا لم يكن.

قد تشبه الصور ومقاطع الفيديو التي يتم تداولها عند احياء ذكرى الانفجار مشاهد فيلم يتناول نهاية العالم والآخرة. الأرجح أن أشهر مخرجي هوليوود ما كانوا استطاعوا أن يصوروا بيروت في يوم الآخرة كما خلفتها الساعات الاولى للانفجار. الرعب في العيون والنفوس، لا يشبه اي رعب عرفه اللبنانيون. حتى صباحات ومساءات الحرب لم تكن مرعبة لهذا الحد. بحينها كان الناس يعلمون ان ما يتساقط عليهم قذائف وما يخرق أجسادهم رصاصات كانوا يعلمون مصدرها. في 4 آب 2020، لم يعرف أحد ماذا حصل. ظن البعض انه زلزال، قصف بالطيران، اعتقد معظم من تواجدوا في بيروت انه انفجار استهدف مكان تواجدهم...المرعب أكثر انه في 4 آب 2022 لا نزال لا نعرف ما حصل. كل ما نعرفه أن هناك مجموعة من الوقائع والحقائق المرعبة التي يمكن اختصارها بـ4.

الحقيقة الأولى، ان التشوه الذي خلفه الانفجار في أرواح معظم اللبنانيين الذين عايشوا الفاجعة لا يمكن معالجته وسيرافقهم في يومياتهم وسيعكر عليهم كل فرحة ولو بعد مئة عام. ستبقى صورة المرفأ المشلّع وغيمة الدخان الهائلة الملونة التي تنتج عادة عن انفجار نووي هي المطبوعة في أذهان اللبنانيين الذي سيعاينون المشهد من اوتوستراد شارل حلو حتى ولو سقطت أو أُسقطت الاهراءات ولو تمت اعادة اعماره بأحدث واجمل التقنيات. هذا بحد ذاته مرعب ويؤكد أن الصحة النفسية لأكثر من 70% من اللبنانيين ليست بخير.

الحقيقة الثانية، ولعلها الأكثر ايلاما هي ان القضاء اللبناني غير موجود وان تحديد ماهية ما حصل في ذلك اليوم المشؤوم وتحقيق العدالة بات حلما مستحيلا بعيد المنال. قد تبدو هذه الحقيقة قاسية لكنها أبعد من ذلك فهي مرعبة باعتبارها تؤكد ان اي جريمة تُرتكب في هذا البلد وبخاصة اذا كانت ذات ابعاد سياسية قد تبقى من دون عقاب، والأمثلة كثيرة وكثيرة جدا منذ العام 2005، ما يجعلنا عرضة لكل أنواع الجرائم في بلد بات كبار المجرمين يعون انهم قد يفلتون من العقاب، والفاسدون المتلكؤون يدركون ان فسادهم وتلكؤهم سيمر مرور الكرام. وكما يحمي السياسيون بعضهم البعض رغم الخصومات السياسية في ما بينهم، بات واضحا ان القضاة يحمون ايضا بعضهم البعض كما يحمي كبار القضاة كبار السياسيين والعكس صحيح، والا كيف نفسر عدم توقيف اي قاض في الملف علما ان المسؤولية الاساسية تقع عندهم..عند من أمر بافراغ النيترات وتخزينه وأخيرا تلحيم باب العنبر الذي ادى على الارجح للانفجار.

أما الحقيقة الثالثة، فمرة ومستفزة. حقيقة أن المنظومة السياسية المتجذرة كأخطبوط في كل مؤسسات وأجهزة الدولة نجحت بتفخيخ ملف الانفجار وتسييسه بما يضمن افلات رجالاتها من المحاسبة. فاذا بمتهمين مطلوبين للتحقيق وصادرة بحقهم مذكرات توقيف يصولون ويجولون في المقار الرسمية ولا بل أبعد من ذلك يترشحون للنيابة ويفوزون مجددا بمقاعدهم ليؤكدوا حجم الانقسام الطائفي والمذهبي بعد نجاح المتهمين بالتلطي بعباءة مذهبهم وتصويره مستهدفا.

وتبقى الحقيقة الرابعة وهي الأمر، خاصة بعدما ظن اللبنانيون وبخاصة أهالي الضحايا ان هناك منفذ ونهاية لهذا النفق المظلم وان هناك خشبة خلاص تتمثل بمجتمع دولي يراقب عن كثب ويضغط ويُحاسب. فاذا بهم يكتشفون ان أقل ما يُقال عنه أنه متوطىء. ومن هنا كان اعلان بول نجار، والد الطفلة الكسندرا نجار التي قضت بالانفجار أن "فرنسا تعرقل التحقيق" لأسباب لم يتمكن من حسمها. فصور الأقمار الاصطناعية لم تصل من فرنسا حتى اليوم رغم ان رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون كان قد طلبها من الرئيس الفرنسي ايمانوييل ماكرون، واقتصرت الدول المتجاوبة مع طلبات لبنان للحصول على هذه الصور على روسيا. ويقول النقيب السابق للمحامين النائب الحالي ملحم خلف أن هناك 16 استنابة قضائية تقدّم بها المحقق العدلي وفقط 6 دول أجابت عليها. وبحسب خلف، تقدّمت نقابة المحامين بثلاث رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة ولم يأتِ أي جواب. حتى ان 31 خبيراً فرنسياً، شاركوا بالاشراف على مسرح الجريمة وضعوا 3 تقارير مبدئية، لم تكلل بتقرير نهائي حتى اليوم. ويؤشر عدم التجاوب الدولي مع أهالي الضحايا والعاملين على الكشف عن الحقيقة ان هناك ما يحاول المجتمع الدولي اخفاءه والارجح ان يكون دور اسرائيلي ما، سواء ضربة جوية او غيرها تسببت بالكارثة الكبرى.

بالمحصلة، سنبكي اليوم. سنتذكر اشلاء نساء ورجال وأطفال سرنا فوقها، سنستعيد مشاهد مرعبة امام المستشفيات وداخلها. سنسمع حكايات سمعناها لمئة مرة منذ عامين وسنتأثر من جديد ونذرف مزيدا من الدموع...ستصرخ أمهات الضحايا سيهدد آباءهم ويتوعدون لكنهم في نهاية هذا النهار سيعودون الى منازلهم مكسورين..ولن نعرف الحقيقة ولن تتحقق العدالة..وسنبقى مرعوبين للأبد.

بولا أسطيح