الصحافة

لماذا لا توفّر دول الخليج فرص العمل للنّازحين السوريّين بدلاً من مشاهدة قوارب الموت في البحار؟

Please Try Again

يصرخ لبنان من جرّاء النّزوح السوري فيه، لأسباب اقتصادية، ومالية، وأمنية، وبعدما بات بلداً ضاق جلده الخاصّ عليه، فيما يرفض المجتمع الدولي الاستماع الى الصّراخ، ويزيد من مساعداته للنازحين أكثر فأكثر، بدلاً من العمل على إعادتهم الى سوريا.

حسابات

للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا حساباتهما المعروفة في هذا الإطار، والتي ليس أقلّها الحصول على أثمان سياسية وأمنية كثيرة من جانب النّظام السوري، مقابل السّماح بالإفراج عن مسار إعادة الإعمار، وعودة الحياة الى طبيعتها الكاملة في سوريا. وهذا ما لا يتغيّر منذ سنوات، ورغم أن أزمة النّزوح لا تمسّ دمشق فقط، بل كل الدول المُستضيفة لنازحين سوريّين، وعلى رأسها لبنان، حيث الكتلة السورية الديموغرافيّة غير المتناسِقَة أبداً مع تلك اللبنانية، ولا مع ما يبقى فيه (لبنان) من موارد قليلة جدّاً.

"صين جديدة"

ولكن ماذا عن دول الخليج، حيث الفرص والمشاريع الضخمة، في المجالات كافّة. فهناك منطقة تنمو كثيراً وسريعاً بالمال، والأعمال، وبالاستثمارات، وبتنويع المصادر والموارد الاقتصادية، في عالم التحوُّل من عصر النّفط، وسط مشاريع كبرى تنعم بالتمويل اللازم، وهي تحتاج الى الكثير من العمالة.

ولكن رغم ما سبق ذكره، لا نزال نرى قوارب الهجرة غير الشرعية تنطلق من شواطىء منطقة شرق المتوسّط، وشمال أفريقيا، فَيَصل من يتمكّن من الوصول الى أوروبا، ويموت من يموت في البحر.

وهذا كلّه أمام أعيُن الجميع، وفيما "تهتز" بعض الأقلام، والشاشات، ووسائل الإعلام العربية "طرباً" بأن أوروبا شاخَت، وبأن العالم الجديد بات موجوداً في منطقة الخليج، حيث فرصة تكوين "صين جديدة"، في بقعة جغرافيّة فتيّة، ومرتاحة على المستوى المعيشي، والحياتي.

من دول آسيوية

وانطلاقاً ممّا سبق، ألا يستحقّ السوري النازح الى لبنان، أو ذاك الذي يعيش بفقر شديد داخل سوريا، أو الفلسطيني، والعراقي، والليبي... أن يجد فرصته في منطقة الخليج، فيعمل، ويعيش، ويرسل المال لأهله، بدلاً من أن يتحوّل الى مشروع "مَيْت" في قارب للهجرة غير الشرعية، وسط البحار؟

وألا يُمكن حلّ مشكلة النّزوح السوري في لبنان، عبر توفير آلاف فرص العمل للنازحين في دول خليجية، بما سيُريح الجميع؟

ولماذا لا نجد اهتماماً خليجياً إلا بتوفير فرص العمل لبعض أنواع الشباب في منطقة المشرق العربي، حصراً، وهم من أصحاب المهارات العالية؟

ولماذا لا تساعد دول الخليج الشباب السوري، والعراقي، والفلسطيني، وحتى اللبناني،... المستعدّ لأن يقوم بأي نوع من العمالة بحثاً عن لقمة العَيْش، بدلاً من استبدال من سبق ذكرهم بعمّال من دول آسيوية؟

العودة

بحسب المعطيات المتوفّرة في معظم الأروقة، وما يرشح من هنا وهناك، فإن مشاريع الإبقاء على النازحين السوريّين في لبنان مستمرّة، وهي تعتمد المساعدات الإنسانية كواجهة لتغطية تمديد وجودهم فيه، والحصار على لبنان، وزيادة الأزمات فيه، لا أكثر، ولا أقلّ.

فالوضع الأمني في مناطق سوريّة كثيرة أفضل ممّا هو عليه الحال في لبنان. هذا فضلاً عن أن عودة كل إنسان الى بلده، يسمح له بأن يعيش بكرامة، أكثر ممّا لو كان موجوداً في أفضل مكان آخر على وجه الأرض. وإذا كان الغرب صادقاً بمساعدتهم، يتوجّب عليه فعل ذلك بعد عودتهم الى سوريا، بدلاً من حرمانهم من المساعدات، في ما لو اختاروا العودة.

لبنان

أما بالنّسبة الى الدولة اللبنانية، فلا مجال للدّفاع عنها أيضاً. فلو كنّا دولة طبيعية، لما كان سُمِحَ بقدوم هذا العدد الهائل من النّازحين الى أرضنا. وحتى إن بعض القوى اللبنانية رحّبت بالنّازحين في البداية، وقدّمت التسهيلات اللازمة لاستقبالهم، من دون أن تسأل عن التداعيات الديموغرافية والأمنية، وعن النّوايا المبيّتَة من فتح أبواب لبنان لهم من دون أي رقابة رسمية، ومن دون السؤال عن أسباب قدوم من يعيشون على الحدود السورية – التركية مثلاً، والسورية - الأردنية، والسورية - العراقية الى لبنان، وسط تسيُّب سياسي وأمني كامل، وذلك بدلاً من حصر الأعداد بأولئك الذين يعيشون في بعض المناطق الحدودية، الذين رغبوا بالهرب من الأعمال العسكرية.

وحتى تلك الفئة الأخيرة باتت قادرة على العودة الى سوريا منذ ما قبل سنوات، بعد سيطرة الجيش السوري على الأوضاع في مناطقها.

مشكلة مُمَدَّدَة

صحيح أن الرّهان الغربي والخليجي كان يتوقّع حدوث صدام مسلّح في لبنان قبل سنوات، على خلفيّة "الربيع العربي"، وهو ما كان سيسمح لو حصل، بتوظيف النّزوح السوري لصالح فئة لبنانية على حساب أخرى. ولكن الأوضاع تبدّلت كثيراً الآن، ورهانات الماضي انتهت، وتغيّرت ظروفها كثيراً. فما المانع من انخراط دول الخليج بحلّ أزمات النّزوح، واللّجوء، في المنطقة؟

بحسب المعطيات المتوفّرة في هذا الإطار، ترفض دول الخليج استقبال السوريين تحديداً، ولا حتى للاستفادة منهم كأيدٍ عاملة هناك، وصولاً الى حدّ عَدَم منحهم المستندات الرسمية اللازمة التي تسمح لهم بأداء فريضة الحجّ. وهذا يعني أننا أمام ملف شديد التعقيد، وأمام مشكلة نزوح مُمَدَّدَة، وبتورُّط من جانب أكثر من طرف محلي، وإقليمي، ودولي.

أنطون الفتى - وكالة "أخبار اليوم"

 

Please Try Again