الصحافة

جنبلاط والدروز وحكمة التوحيد

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في العام 2014، خرج وليد جنبلاط بتصريح فاجأ الكثيرين في لبنان وعلى مستوى العالم العربي والغربي. رفض يومها وصف "جبهة النصرة" بالإرهابية، وقال إن عناصرها مواطنون سوريون يقاتلون ضد نظام بشار الأسد. قبلها بسنوات كان له تصريح عن ترحّمه على أيام السلطنة العثمانية والعيش في زمن الامبراطورية، بما تعنيه طبعاً من اتساع للأفق والجغرافيا، ومن حماية مميزات وخصوصيات المكونات، وطبعاً تبقى هذه مسألة إشكالية بالنسبة إلى الكثير من الشعوب والمجتمعات. لكن عندما يقولها وليد جنبلاط فيكون لها معنى وأثر، تتصل بعلاقته مع "المديات الأبعد" من الحدود الصغرى.

عند صراع الدول...

في التصريحين، يمكن الاعتبار أن جنبلاط قد سبق عصره. فمن كان في جبهة النصرة وصل إلى الحكم في سوريا وأصبح رئيساً لها باعتراف المجتمعين العربي والدولي. أما المدى الأوسع والأرحب فهو يستشرفه بناء على مشروع إقليمي يتبلور في التعاون بين الدول، خصوصاً أن سوريا هي نقطة الارتكاز في تحولها إلى مساحة التقاء ما بين تركيا من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، وهو ما يمكن من خلاله النظر إلى بداية تبلور مشروع إقليمي وعربي في مواجهة مشروع إسرائيلي يسعى إلى تصغير الكيانات أو تفتيتها. إحدى العبارات المشهورة عنه أيضاً، هي تلك التي يقول فيها "عند صراع الدول" احفظ رأسك. مبدأ الحماية هنا لا يكون بالتحول إلى رأس حربة في المواجهة، خصوصاً إذا كانت هذه المواجهة مع المحيط العربي والإسلامي أو مع الدولة التي تنتمي إليها الجماعة وتقطن داخل جغرافيتها.

خصوصية الدروز

ذلك ما يركز عليه جنبلاط بشدة، وكرره عندما توجه قبل أيام لرئيس طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، داعياً إياه إلى الاهتمام بشؤون الطائفة الدرزية في الداخل الفلسطيني، والتركيز على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس من الضرورة أن يدعو طريف الدروز الى الالتحاق بإسرائيل ومشروعها، موجهاً إليه رسالة بأنه ليس من مقامه أن يكون ملحقاً بالحريديم. ولطالما دعا جنبلاط إلى الحفاظ على خصوصية الدروز حيث هم موجودون، سواء في فلسطين، أو سوريا أو لبنان، وهو لا يريد للشيخ طريف أن يتدخل بشؤون الدروز في لبنان أو سوريا.

الدروز والمنظور الأوسع

ينظر جنبلاط إلى الدروز ودورهم بمنظور أوسع وأبعد من الطائفة، بخلاف ما يسعى البعض إلى تصويرهم أو وضعهم في إطار أقلوي. لم يكن الدروز يوماً أقلية، مسألة دورهم وتأثيرهم في دول المنطقة غالباً ما تتجاوز مسألة العدد أو الانتماء الطائفي حتى. ودرجت التجربة أنه حين يتصرفون كأقلية يصبحون محاصرين ومهددي الوجود، أما حين يفخرون بتمايزهم وحفاظهم على هويتهم الخاصة، ولكن ضمن انتمائهم الحضاري العربي والإسلامي، يبرز ازدهارهم السياسي وإنتاجهم الذي يغني محيطهم، وهو ما اضطلع به الأمير شكيب أرسلان، الذي عمل على تثبيت تحقق الهوية الثقافية والدينية والسياسية للدروز ضمن مجتمعاتهم الإسلامية والعربية. فأصل مبدأ التوحيد هو هذا الجمع بين المذاهب والأفكار والفلسفات وكيفية سوسها اجتماعياً.

البعد العروبي والإسلامي

كان شكيب أرسلان من أعلام النهضة العربية والإسلامية. فهو، وبوعي توحيدي كامل، أدرك أهمية الرابطة الإسلامية والعربية للنهوض بشعوب المنطقة، وملاقاة تطلعات التطور والعصر الحديث، والاندماج فيه ككتلة اجتماعية متجانسة ومتراصة، لا كأقليات وطوائف ومذاهب. فاختار الرحابة الإسلامية والعربية على الضيق الأقلوي الذي يقيم في خوف دائم. علم آخر من أعلام التجديد والتماهي الدرزي مع القضايا العرب، هو كمال جنبلاط الذي يمثل إرثاً فكرياً وثقافياً فعلياً لما تركه شكيب أرسلان، فأخذ هذا الإرث إلى بعده الانساني والأممي، وهو الذي حمل القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، من دون إنكار البعد العروبي والإسلامي، أو البعد الدرزي.

في صلب التراث

تاريخياً، الدروز هم من العرب الأقحاح منذ أيام التنوخيين، وهم أساس القيسية واليمنية، ولطالما كانوا نقاط الارتكاز الأساسية بالنسبة إلى الدول العربية الكبرى أو الامبراطوريات. فكانوا حماة الثغور في وجه الحروب الإفرنجية. ولذلك فهم جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية وجزء أساسي من نواتها إثنياً وعقائدياً، كما أنهم جزء لا يتجزأ من حركة العقل الإسلامي، وفي صلب تراث السجالات الكبرى في الحكمة والفلسفة والإيمان، وهم الجماعات الشجاعة في القتال والذين كان يتم الارتكاز عليهم لصد كل الغزوات التي تعرضت لها المنطقة العربية، وخصوصاً المشرق العربي.

في العصر الحديث، كان الدروز في طليعة ثورات الاستقلال في سوريا ولبنان وفلسطين، من وادي التيم إلى جبل العرب نحو الجولان وفي الداخل الفلسطيني. فلم يتأخروا  في دعم ثورة الـ 1936 الفلسطينية،  وفي الانخراط في جيش الانقاذ والتصدي للنكبة، إذ كانوا من أوائل المتطوعين في الجيش العربي السوري.

الشراكة مع الآخرين

وعندما خرجت ما تسمى بنظرية "حلف الأقليات" لتفتيت الدول الوطنية وزرع الفتن لتغذية الحروب المذهبية والطائفية، وصل الأمر إلى الحروب الأهلية. وتاريخياً، من شكيب أرسلان إلى كمال جنبلاط مروراً بسلطان باشا الأطرش، أخلص الدروز لعروبتهم وإسلامهم وأوطانهم، وللأفق الوطني والعروبي. وعلى الرغم من كل ما حدث في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، بقي الدروز على إيمانهم بالعيش المشترك، وبالتسامح وتجاوز آلام الماضي مهما كانت. ولطالما كانوا حلفاء للفوز أو الربح لأنهم يراهنون على ذلك، أي على تجاوز الماضي وعلى المدى الأوسع والأبعد لمنطق الدولة، والتماهي مع الدولة الوطنية ومع المشروع العربي الأكبر. ومن أبرز الدلائل على ذلك، تجارب الإمارات المعنية والشهابية ما قبل نشوء لبنان الكبير. وهذه كلها قامت على فكرة الشراكة مع الآخرين، وكذلك تجربة آل جنبلاط ما بعد نشوء هذا اللبنان، إذ يتمسكون به، وهو ما يسعى إليه وليد جنبلاط دوماً من خلال تكريس المصالحات والانفتاح على مختلف القوى ورفض التقوقع.

في التاريخ الحديث أيضاً، فإن كل جماعة حاولت أن ترهن نفسها ومشروعها للإسرائيلي، لم يتأخر الإسرائيليون عن خيانتها بعد استخدامها أو نهاية دورها الوظيفي. وهذا جزء من السجال المفتوح اليوم حول عدم إمكانية أن يكون الدروز جزءاً من مشروع عنصري معاد لشعوب المنطقة يهدف إلى تدمير الهوية الوطنية، ويصارع في سبيل سلب الأرض، ونهب خيرات الشعوب.

جنبلاط يرفض الرهان الانتحاري

اليوم، تقف منطقة المشرق العربي أمام مرحلة إعادة التشكل، وتبدو أنها تتجه إلى توازنات جديدة، تبرز فيها سوريا كدولة موعودة بالنهوض والازدهار. لذا، فإن الارتماء في هذه اللحظة في حضن إسرائيل أو على تماس مع المشروع الإسرائيلي، يبدو أنه رهان انتحاري يجعل الدروز خارج سياق تجربتهم وتاريخهم، ويدفعهم إلى التراجع عن دورهم الوطني في بناء دولهم مقابل تحولهم إلى ملحقين بمشاريع دول. ذلك ما يرفضه جنبلاط، ويركز على ضرورة مواجهته من خلال انخراط الدروز أكثر في مشاريع بناء دولهم الوطنية، مع الحفاظ على خصوصيتهم وخصوصية الدولة التي يكونون فيها. ولذلك فهو على الصعيد اللبناني، يتمسك بلبنان الكبير، ويرفض أي دعوة للبنان الأكبر، أي عدم الالتحاق بسوريا، ولا لبنان الأصغر أي عدم تأييد دعوات التقسيم، وهو طبعاً لم تراوده يوماً نظريات "الدولة الدرزية" التي كان أول من كشف عنها وأجهضها هو كمال جنبلاط، ولطالما حرص وليد جنبلاط على تجاوز نتائج الحرب مع المسيحيين، وعدم الدخول في أي حالة حرب أو صراع مع السنة أو الشيعة.

العودة إلى الطائف

يعلم وليد جنبلاط أن التحولات تعصف بلبنان، ونتائجها ستشمله. ما يهمه هو الكيان بمؤسساته والحفاظ عليه قدر الإمكان. من هنا يعود إلى طرح تطبيق الطائف، كما العودة إلى اتفاق الهدنة، بما يشكل ضمانة لكل القوى فيه. لكن نظرته تبلغ مدى أبعد مما هو قائم حالياً، فقبل سنوات وصل إلى قناعة أن ثمة تغييراً سياسياً سيشمل القوى أو الطبقة السياسية. فكان أول المبادرين إلى التراجع خطوات إلى الوراء وتسليم نجله تيمور وضخ دماء جديدة في الحزب الاشتراكي والطائفة الدرزية. يعلم جنبلاط أن التغيير سيطال الجميع، فمحاولات التأثير الإسرائيلية على الطائفة الدرزية لا تتوقف، وفي وقت يعتبر فيه أن هناك اتجاهاً نحو إرساء دولة الطائف الفعلية التي تؤسس لدولة مدنية، يجد نزعات درزية تقوم على الشعبوية وشد العصب الطائفي، وهو ما يصر على مواجهته بمنطق الدولة الوطنية، لا العصبية الطائفية.

منير الربيع - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا