مِن وقف النار إلى خفض التصعيد: هل يتراجع لبنان إلى سقف أدنى؟
في كل جولة تفاوضية أو سياسية مرتبطة بالجنوب، تتكرّر الإشكالية نفسها حول طبيعة السقف الذي يُراد للبنان أن يقبل به. فالسقف اللبناني المعلن يقوم على وقف شامل لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي احتلّها، وعودة الاستقرار. غير أن الوقائع توحي بأن النقاش يُدفَع تدريجيًا نحو صيغة أدنى عنوانها "خفض التصعيد"، بما يعني تهدئة محدودة تخفّف الضغط من دون أن تنهي الخطر فعليًا.
بناءً عليه، فإن أخطر ما قد يواجهه لبنان في هذه المرحلة ليس استمرار الحرب في الجنوب فحسب، ولكن أيضًا أن يعتاد الجميع على نار "منخفضة الوتيرة". فحين يصبح خفض التصعيد بديلًا من وقف إطلاق النار، تتحول الأزمة من حرب مفتوحة إلى إدارة يومية للخطر، ويصبح المطلوب من الناس والدولة التكيّف مع واقع لا هو مواجهة شاملة تستدعي حلًا سريعًا، ولا هو هدوء فعلي يسمح بالعودة والاستقرار.
هذه هي المعضلة التي تواجه الدولة اليوم، في ظل محاولة إسرائيلية متجددة لفرض معادلة مختلفة، تقوم على تخفيف النار لا إطفائها، وعلى تأجيل الانسحاب لا تثبيته ضمن جدول واضح. وهو ما يضع لبنان أمام اختبار صعب بين الحاجة إلى حماية الناس ومنع توسع الحرب، وضرورة عدم تحويل الحد الأدنى إلى سقف دائم. فهل يكون خفض التصعيد خطوة أولى وتمهيدية نحو الاستقرار، أم يتحول إلى صيغة ملتبسة تُبقي الساحة الجنوبية رهينة معادلة هشة؟
عندما يصبح الحد الأدنى إنجازًا
لا يمكن التقليل من أهمية أي تراجع في وتيرة إطلاق النار، خصوصًا في بلد يعيش تحت ضغط يومي من الغارات والتهديدات والنزوح والشلل الاقتصادي في المناطق الحدودية. فخفض التصعيد، إذا تحقق فعلًا، قد يمنح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، وقد يخفف الكلفة المباشرة على القرى والبلدات، وربما يفتح الباب أمام مسار سياسي أوسع. لكن المشكلة تبدأ عندما يُقدَّم هذا الخفض كأنه بديل من وقف إطلاق النار، أو كأنه إنجاز مكتمل بحد ذاته.
فالأكيد أن الهدوء النسبي لا يعني الاستقرار، وقد لا يكون خفض التصعيد، إذا بقي منفصلًا عن مسار سياسي واضح، أكثر من تسكين موضعي لا يعالج أصل المشكلة. بهذا المعنى، قد تتراجع الغارات لساعات أو أيام، وقد تنخفض حدة التهديدات، لكن ذلك لا يبدد القلق إذا بقيت إسرائيل قادرة على الضرب متى شاءت، وإذا بقي الانسحاب مؤجلًا، وإذا ظلت عودة الأهالي مرتبطة بحسابات الميدان.
في هذه الحالة، يبقى لبنان، وجنوبه تحديدًا، تحت التهديد الدائم، بما يحوّل خفض التصعيد إلى إدارة يومية للخطر، لا بداية حقيقية للخروج من الحرب. وهنا تكمن حساسية الموقف اللبناني. فالقبول بصيغة خفض التصعيد كبديل لإنهاء الحرب يحمل في طياته خطرًا استراتيجيًا كبيرًا. فهو قد يُبقي شرارة الحرب قابلة للاشتعال في أي لحظة، ويُشرّع الأبواب أمام استهدافات موضعية تُبقي البلاد في حالة استنزاف دائم. ولذلك، فالمطلوب هو الموازنة بين الحاجة القصوى إلى حماية المدنيين ووقف نزيف الدم، وضرورة الحفاظ على الموقف السيادي وعدم خفض المطالب الوطنية إلى مستوى يهدد أمن الجنوب واستقرار البلاد.
ماذا يبقى من شروط لبنان؟
في ظل هذا الانزلاق نحو الحديث عن خفض التصعيد، تعود التساؤلات المشروعة حول مصير الشروط اللبنانية الأساسية التي رُفعت منذ اليوم الأول. فهذه الشروط لا تقتصر على وقف الاعتداءات، وإنما تشمل بالتوازي معه انسحابًا إسرائيليًا واضحًا، وانتشارًا فاعلًا للجيش اللبناني لضبط الأمن، وضمان العودة الآمنة والكريمة للأهالي إلى قراهم.
هذه الشروط لا تبدو ترفًا سياسيًا، وإنما الحد الأدنى لأي حل قابل للحياة. فالدولة لا تستطيع أن تطلب من الناس العودة إلى قرى مهددة، ولا من الجيش أن يتحمل مسؤولية أمنية كاملة فيما تستمر إسرائيل في فرض قواعدها بالقوة. لكن إسرائيل تحاول في المقابل دفع النقاش إلى اتجاه آخر، إذ تريد ربط أي خفض للتصعيد أو انسحاب لاحق بسلسلة شروط أمنية وسياسية، في مقدمتها ملف سلاح حزب الله وترتيبات الحدود ودور الجيش.
يعني ذلك أن ما يفترض أن يكون حقًا لبنانيًا، أي وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة، يصبح جزءًا من سلّة تفاوضية واسعة، قد تطول وتتعقد وتُبقي الجنوب في منطقة رمادية بين الحرب والهدنة. من هنا، فإن التحدي أمام لبنان ليس في قبول أو رفض خفض التصعيد بالمطلق، وإنما في منع تحوله إلى صيغة دائمة. فإذا قبلت الدولة بتهدئة ناقصة من دون أفق واضح، ستجد نفسها أمام حالة هجينة: لا هي حرب شاملة تفتح الباب لتسوية كبرى، ولا هي سلام فعلي يضمن الأمن المديد، ما يحرم الأهالي من أفق واضح لعودة آمنة.
في المحصلة، يتبين أن الدولة لا تُختبر اليوم في مهارتها الدبلوماسية وقدرتها على التفاوض فحسب، وإنما في صلابتها لمنع تحويل الحد الأدنى الممكن إلى سقف سياسي دائم. قد يكون "خفض التصعيد" ضرورة مؤقتة تفرضها موازين القوى وتوازنات الميدان، لكن الخطر الأكبر يكمن في التسليم به كأمر واقع، أو السماح له بأن يتحول إلى بديل دائم من مطلب وقف إطلاق النار الكامل والانسحاب الشامل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|