اتفاق الإطار أمام الخطر الأكبر... ماذا لو جاء أمر الحرب من طهران؟
هناك لحظات يصبح فيها المكان أصغر من الحدث الذي يجري فوقه، وهذا هو حال القرى الجنوبية الثلاثة التي دخلت منذ الأمس إلى دائرة الاختبار الفعلي لاتفاق الإطار، فرون وصريفا وزوطر الغربية، فالمسألة هنا تتجاوز انتشار وحدات من الجيش اللبناني أو إعادة رسم خطوط السيطرة في مساحة جغرافية محدودة، كون هذه الخطوة تحمل في داخلها امتحاناً مبكراً لمسار كامل يفترض أن ينقل الجنوب من منطق التداخل بين القوى إلى مساحة تتولى فيها الدولة مسؤولية الأرض والأمن، وسط إقليم يعيش على وقع مواجهة أميركية- إيرانية مفتوحة الاحتمالات، فيما تحاول واشنطن إبقاء الساحة اللبنانية خارج مسار الانفجار الكبير .
وبحسب مصدر سياسي واسع الاطلاع تحدث إلى وكالة "أخبار اليوم"، فإن أهم ما أنجزه اتفاق الإطار قبل دخوله مرحلة التنفيذ كان وضع حدّ فاصل بين مسارين كان يمكن أن يلتقيا في أي لحظة، مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ومسار الجنوب اللبناني، فواشنطن أرادت منذ البداية أن تمنع تحويل لبنان إلى ساحة رد فعل على ما يجري في المنطقة، فيما أرادت إسرائيل تثبيت معادلة أمنية مرتبطة بوجود حزب الله وسلاحه، أما الدولة اللبنانية فدخلت إلى هذا المسار وهي أمام مهمة دقيقة، استعادة حضورها على الأرض من دون أن تتحول إلى طرف في مواجهة لا تملك وحدها قرارها ولا أدواتها السياسية والعسكرية الكاملة.
ويقول المصدر: إطلاق المناطق التجريبية يحمل دلالة تتجاوز القرى الثلاث، إذ إن نجاح التجربة أو تعثرها سيرسم إلى حد كبير شكل المرحلة التالية، فالاتفاق الذي أُعلن عنه في 26 حزيران الماضي ينطلق من انتقال تدريجي للمسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من مناطق جنوبية، على أن تتوسع التجربة لاحقاً وفق النتائج التي ستسجلها المرحلة الأولى، وهذا يعني أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقاً بقدرة الجيش على الوصول إلى الأرض- فقد بدأ الانتشار في عدد من النقاط- إنما بقدرته على إدارة الأرض بعد انتقالها إليه، والتعامل مع ملف السلاح والبنى العسكرية، وتأمين عودة السكان، وتثبيت الأمن في بيئة شديدة الحساسية سياسياً وميدانياً .
وهنا، وفق المصدر عينه، تكمن العقدة الأصعب، فالمناطق التجريبية لا تُقاس فقط بعدد الجنود الذين سيدخلونها أو بعدد الحواجز التي ستقام فيها، بل بما إذا كان الجيش سيحصل على المساحة العملية التي تسمح له بتنفيذ مهمته كاملة، إذ إن أي صيغة تجعل وجوده مقتصراً على الانتشار الرمزي، من دون قدرة فعلية على فرض القرار الأمني، ستبقي التجربة ناقصة، في حين أن تحويلها إلى مواجهة داخلية مع أي جهة لبنانية سيضع الدولة أمام كلفة سياسية وأمنية كبيرة، لذلك فإن نجاح المرحلة الأولى يحتاج إلى ترتيبات دقيقة، تبدأ من تحديد الصلاحيات، ولا تنتهي عند آليات التعامل مع السلاح والمنشآت العسكرية، مروراً بمسألة الانسحاب الإسرائيلي وضمان عدم عودة التصعيد إلى المناطق التي يفترض أن تكون تحت سلطة الدولة.
ويشير إلى أن المعطيات الميدانية الحالية تستوجب قراءة هادئة، فمن جهة هناك الإعلان الأميركي عن بدء عمليات تشمل فرون وصريفا وزوطر الغربية، ومن جهة اخرى أفادت تقارير بأن فرون وصريفا كانتا أصلاً خارج الوجود الإسرائيلي المباشر مع وجود وحدات للجيش اللبناني فيهما، بينما ترتبط زوطر الغربية بحساسية أكبر نتيجة الوضع القائم في زوطر الشرقية، الأمر الذي يجعل الاختبار الفعلي مختلفاً من قرية إلى أخرى، ما يعني أن نجاح التجربة لا يمكن قياسه من خلال الإعلان السياسي وحده، إنما من خلال قدرة الجيش على تثبيت حضوره في كل نقطة، وضمان عدم تحول الفروقات الميدانية بين القرى إلى ثغرات أمنية.
وفي هذا السياق، يلفت المصدر إلى أن العلاقة بين الملف اللبناني والتصعيد الأميركي ـ الإيراني دخلت مرحلة شديدة التعقيد، فالمواجهة بين واشنطن وطهران تتسع مع استمرار الضربات والردود، وسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأميركية والإيرانية، بالتزامن مع تهديدات تطال منشآت وممرات استراتيجية في المنطقة، ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى مساحات يصعب ضبطها، ومع ذلك فإن المؤشرات السياسية والعسكرية المتوافرة حتى الآن توحي بوجود رغبة لدى أكثر من طرف في إبقاء المسار اللبناني منفصلاً قدر الإمكان عن الحرب الإقليمية لأن إدخال جنوب لبنان مجدداً في دائرة النار سيعني انهيار الاختبار الأول لاتفاق الإطار، وربما فتح مسار مختلف بالكامل يصعب على أي وسيط إعادة ضبطه.
ويؤكد أن هذا الفصل ليس مضموناً بصورة نهائية فكلما ارتفع مستوى المواجهة بين واشنطن وطهران، زادت الضغوط على القوى المرتبطة بالمحاور الإقليمية، وارتفعت في المقابل احتمالات استخدام الساحات المتصلة بالنزاع كأدوات ضغط أو رسائل عسكرية، من هنا فإن الهدوء في جنوب لبنان لا يعتمد فقط على ما يجري داخل القرى الثلاث، بل ايضا على قدرة الأطراف المعنية على منع انتقال الاشتباك الإقليمي إلى الجبهة اللبنانية وهي معادلة دقيقة لأن أي حادث أمني كبير قد يعيد خلط الحسابات في لحظة واحدة.
ويضيف المصدر السياسي: واشنطن تبدو أمام رهان مزدوج، فمن جهة تريد تثبيت اتفاق الإطار وتحويله إلى مسار قابل للتوسع، ومن جهة أخرى تسعى إلى منع لبنان من الانجرار إلى الحرب المفتوحة مع إيران، ولذلك فإن دعم الجيش اللبناني يصبح جزءاً من المعادلة الأميركية باعتباره مؤسسة أمنية وايضا أداة لتثبيت الدولة في المناطق التي يفترض أن تنتقل إليها المسؤولية تدريجياً، إلا أن هذا الرهان سيبقى معرّضاً للاهتزاز ما لم يترافق مع انسحاب إسرائيلي واضح، وآلية تنفيذ قابلة للقياس، وضمانات تمنع استخدام المناطق التي دخلت مرحلة التجربة كمساحات قابلة للاشتعال عند أول خلاف.
ويرى المصدر أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المرحلة المقبلة هو الجمع بين شرطين متناقضين، مطالبة الجيش اللبناني بتنفيذ مهمة واسعة في بيئة أمنية معقدة، مع إبقاء نتائج الانسحاب الإسرائيلي غير محسومة بصورة نهائية، لأن أي فجوة بين الخطوتين ستضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة صعبة، الجيش ينتشر، إسرائيل تبقى في مواقع معينة، والسلاح يبقى عنواناً خلافياً، عندها يصبح السؤال أكثر تعقيداً، من يملك القرار الفعلي في الأرض، ومن يتحمل مسؤولية أي خرق، ومن يملك القدرة على منع تكرار العمليات العسكرية؟؟؟
وبحسب المصدر، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المناطق التجريبية ستتحول إلى نموذج قابل للتوسع أم إلى تجربة محدودة تصطدم سريعاً بالواقع السياسي والميداني، فالاتفاق يحتاج إلى خطوات متوازية لا تسير كل واحدة منها منفردة، الجيش ينتشر، الدولة تفرض سلطتها، إسرائيل تنسحب وفق آلية واضحة، والسكان يعودون إلى قراهم وفي المقابل يجري احتواء التصعيد الإقليمي حتى لا يتحول الجنوب إلى ورقة إضافية في المواجهة الأميركية - الإيرانية.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة المقبلة الى جانب ما اذا كان الجيش اللبناني قادراً على الإمساك بالأرض، يتعلق بما إذا كانت الأطراف التي صنعت اتفاق الإطار مستعدة فعلاً لمنحه الظروف التي تسمح له بالنجاح.
وبالتالي، المؤسسة العسكرية قد تكون أمام أهم اختبار ميداني منذ سنوات والدولة أمام فرصة لاستعادة مساحة من قرارها السيادي، والولايات المتحدة أمام امتحان قدرتها على حماية المسار الذي رعته، وإسرائيل أمام استحقاق ترجمة وعود الانسحاب إلى خطوات عملية.
أما جنوب لبنان، فقد يجد نفسه أمام مفترق بالغ الحساسية: إما أن يصبح بداية لمسار يخرج المنطقة من دائرة الحروب المتصلة، أو أن يعود مرة جديدة إلى موقع الساحة التي تدفع ثمن صراعات أكبر من حدودها.
أخبار اليوم - شادي هيلانة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|