الصحافة

استنسابية العقاب... عندما يُحاكَم الأشخاص وتبقى المنظومات

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

من مستشفى بحنس إلى سجن رومية ثم مستشفى ضهر الباشق، عاد اسم حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة إلى واجهة الأحداث، وأعاد معه سؤالاً لطالما رافق الأزمات الكبرى في لبنان: لماذا يتحول شخص واحد إلى رمز للمحاسبة، بينما تبقى المنظومة التي أنتجت الانهيار خارج قفص الاتهام؟

هذا السؤال ليس جديداً على لبنان. فقبل ثلاثة عقود، عاش البلد نسخة مختلفة من المعضلة نفسها: سمير جعجع أمضى أحد عشر عاماً في زنزانة، فيما خرج معظم قادة الحرب الأهلية من الملاحقة بموجب قانون العفو العام. وميشال عون، على الطرف الآخر من الخريطة السياسية، دفع ثمن مواجهته للوصاية السورية بخمسة عشر عاماً من المنفى في فرنسا، بينما عاد كثيرون ممن شاركوا في القرارات نفسها إلى سدة الحكم من دون أن يُسألوا يوماً.
اليوم، ومع تجدد الجدل حول ملف سلامة، يعود السؤال بصيغة جديدة: هل هي فعلاً محاسبة فردية عن مسؤولية جماعية، أم تكرار لنمط لبناني قديم، يُحاكَم فيه الأفراد بينما تبقى المنظومات التي صنعت الأزمات بمنأى عن العقاب؟
في الأدبيات القانونية والسياسية، يُستخدم مصطلح "العدالة الانتقائية" Selective Justice لوصف الحالات التي تطال فيها الملاحقات القضائية أشخاصاً محددين، بينما يُستثنى آخرون لعبوا أدواراً مماثلة.
أما في علم السياسة، فيبرز مفهوم "كبش الفداء " Scapegoat، حيث تُحمَّل شخصية أو مجموعة محدودة مسؤولية أزمة شارك في صنعها عدد كبير من الفاعلين، سواء لأسباب سياسية أو للحفاظ على توازنات داخلية أو لامتصاص غضب الرأي العام.

الحرب انتهت... لكن العدالة لم تشمل الجميع
في 26 آب 1991، أقر مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام رقم 84/1991، الذي شمل الجرائم المرتكبة حتى تاريخ 28 آذار 1991 خلال الحرب الأهلية، باستثناء عدد محدود من الجرائم. وقد أنهى القانون الملاحقات بحق غالبية المقاتلين وقادة الميليشيات، وفتح الباب أمام عودتهم إلى الحياة السياسية، فتولى عدد منهم حقائب وزارية، ودخلوا البرلمان، وأصبح بعضهم لاحقاً رؤساء أحزاب وركائز في السلطة.
غير أن هذا المسار لم يشمل جميع الأطراف بالطريقة نفسها.
ففي عام 1994، أوقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وصدر بحقه عدد من الأحكام في قضايا اغتيال وتفجير، قبل أن يخرج عام 2005 بموجب قانون عفو أقره مجلس النواب.
وفي المقابل، اضطر قائد الحكومة العسكرية وقتذاك العماد ميشال عون إلى مغادرة لبنان في تشرين الأول 1990، ولجأ إلى فرنسا، حيث بقي في المنفى حتى أيار 2005، عندما عاد بعد الانسحاب السوري من لبنان.
ولا يهدف استعراض هاتين الحالتين إلى الحكم على صحة القرارات القضائية أو نفي مسؤوليات فردية، بل إلى إبراز سؤال تاريخي ما زال مطروحاً: إذا كانت الحرب مسؤولية جماعية شاركت فيها قوى عديدة، فلماذا انتهت بمحاسبة بعض الأطراف بالسجن أو المنفى، بينما عاد معظم قادة الحرب إلى الحكم، ولا يزال بعضهم جزءاً من السلطة حتى اليوم؟
هذا السؤال لم يقتصر على الداخل اللبناني، إذ انتقدت منظمات حقوقية دولية قانون العفو لعام 1991، معتبرة أنه كرس الإفلات من العقاب، وأغلق ملفات آلاف الضحايا والمفقودين من دون كشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين.
من الحرب إلى الانهيار المالي... هل تكرر المشهد؟
بعد نحو ثلاثين عاماً، عاد الجدل نفسه مع الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019.
فقد أصبح حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة — ليس دفاعًا عنه أو انتقاداً للمسار القضائي — الشخصية الأكثر تعرضاً للملاحقات القضائية داخل لبنان وخارجه، في قضايا تتعلق بشبهات الإثراء غير المشروع واختلاس الأموال العامة وتبييض الأموال، وهي اتهامات ينفيها.
لكن في المقابل، يبرز السؤال البديهي: هل كان الانهيار نتيجة قرار فردي، أم نتيجة سياسات امتدت لعقود؟
فالوقائع تشير إلى أن تثبيت سعر صرف الليرة منذ عام 1997 لم يكن قراراً منفرداً، بل سياسة اعتمدتها الحكومات المتعاقبة ووزراء مال، وأقرتها مجالس النواب عبر الموازنات والقوانين المالية، ونفذها مصرف لبنان، فيما تولت أجهزة الرقابة متابعة القطاع المالي.

ولذلك، فإن تحميل المسؤولية القانونية لأي شخص يبقى من اختصاص القضاء، الذي يحددها بناءً على الأدلة. إلا أن المسؤولية السياسية عن الخيارات الاقتصادية والمالية كانت موضع نقاش واسع، لأنها ارتبطت بقرارات شاركت فيها مؤسسات عدة على مدى سنوات.

وقد استخدم البنك الدولي منذ عام 2020 توصيفاً غير مسبوق للأزمة اللبنانية، عندما وصفها بأنها "كساد متعمَّد" Deliberate Depression ، معتبراً أن ما جرى لم يكن مجرد نتيجة ظروف اقتصادية، بل نتاج "افتقار متعمَّد إلى سياسات فعالة" من جانب السلطات، وتكرر هذا التوصيف في تقاريره اللاحقة حتى عام 2022، مؤكداً أن النخب السياسية والاقتصادية استمرت في حماية مصالحها رغم اتساع حجم الانهيار.
أما صندوق النقد الدولي، فقد خلص في تقريره التشخيصي حول الحوكمة والفساد في لبنان إلى أن الأزمة تعكس خللاً بنيوياً في الحوكمة، وضعفاً في سيادة القانون، وتشتتاً في أجهزة الرقابة، وغياب المساءلة الفعالة، مؤكداً أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على مؤسسة أو مسؤول واحد، بل يتطلب معالجة شاملة لبنية الدولة ومؤسساتها.
العدالة لا تكون انتقائية
يشرح مرجع قانوني أن مبدأ سيادة القانون يرتكز على قاعدة: "المساواة أمام القانون". ولا تعني هذه القاعدة أن الجميع يتحملون المسؤولية نفسها، بل أن كل من تثبت مسؤوليته يُحاسب وفق الأدلة والإجراءات القانونية، بغض النظر عن موقعه السياسي أو نفوذه. فالعدالة ليست في ملاحقة الجميع بلا تمييز، ولا في استثناء الجميع، وإنما في أن تكون المساءلة شاملة لكل من تثبت مسؤوليته، ومن دون انتقائية أو حصانات سياسية.

ويقول: اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً على انتهاء الحرب، وأكثر من سبع سنوات على الانهيار المالي، يبقى السؤال قائماً: هل نجح لبنان في بناء دولة تُطبق القانون على الجميع، أم أنه ما زال يعيش منطق التسويات، حيث تتغير الأسماء ويبقى الأسلوب واحداً؟

ويتابع: الانتقائية في العقاب لا تُضعف فقط ثقة المواطنين بالقضاء، بل تُضعف أيضاً ثقة المجتمع بالدولة نفسها.
ويختم: عندما يشعر الناس أن المحاسبة تطال أفراداً بينما تبقى المنظومات التي صنعت الحروب والأزمات خارج دائرة المساءلة، تصبح العدالة موضع جدل دائم، ويتحول السؤال من "مَن ارتكب الخطأ؟" إلى "مَن وقع عليه الاختيار ليُحاسَب؟"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا