محليات

الجميّل: حذار تكرار الحروب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أتي الحديث مع سامي الجميّل في وقت تمرّ فيه المنطقة ولبنان، في مرحلة انتقاليّة تجبرنا على التعاطي مع وقائع وتركيبات جديدة. في الوقت الذي تنقسم فيه وجهات النظر وتخرج عن أطرها التقليديّة، يبقى الجميل على خطابه الذي عهد به منذ سنوات. لاقت دعوته للحوار صداها الإيجابي في البرلمان كما خارجه، هو الداعي إلى حصر السلاح بالدولة والالتفات إلى الداخل في الانتماء، متسائلاً بشيء من الحيرة عن الأسباب التي منعت اللبنانيين من النضوج والتي يراها مشكلة كبيرة. بالتزامن مع الذكرى الخمسين للحرب اللبنانية يملك الجميل شجاعة الاعتراف والقول “حصلت تجاوزات، ما يهمّنا اليوم هو معرفة قراءة هذه التجربة والتعلّم منها”. وفي ما يلي نص الحوار مع “المدن”.

مع ذكرى نصف قرن على اندلاع الحرب اللبنانية الأولى، لا بد من مساءلة حزب الكتائب: ما الذي تعلمناه؟

ما يجب علينا تذكّره وحفظه يتلخّص في مسألتين: حين تتخلّى الدّولة عن مسؤوليتها وسيادتها وتسمح بوجود مجموعات مسلّحة سواء كانت لبنانيّة أو غريبة، سندخل كلبنانيين في مخاطرة كبيرة، وتعرّض بلدنا لاشتباكات مسلّحة قد تقودنا إلى الحرب. من هنا نستنتج أنّ الدرس الأوّل هو فرض سيادة الدولة من خلال مؤسساتها (الجيش اللبناني، والقوى الأمنيّة) على كامل الأراضي اللبنانيّة. الدرس الثاني هو علاقة اللبنانيين ببعضهم البعض، حين تكون تلك العلاقة غير متينة وتفتقد للثقة والتفاهم، سنعرّض لبنان لخطر تكرار ما حصل.

هل تظن أن اللبنانيين نضجوا إلى حد أنهم لن يكرروا الحرب الأهلية؟

هناك مشكلة كبرى في عدم نضوج اللبنانيّين بعد كلّ ما جرى، هذا يدفعنا للتساؤل عن إمكانية تحقيق هذا النضوج وكيفيته. اليوم بعد كلّ الدّماء والتجارب والخسارات والدَّمار، إذا لم نأتِ بالنضوج الكافي والشجاعة لإعادة النظر في الماضي والتطلّع نحو المستقبل فهذا يعني أننا شعب لا يستحق أن نبني بلداً!

أطلقتم من مجلس النواب دعوة إلى المصارحة والمصالحة، وكانت الدعوة بالأخص موجهة إلى حزب الله. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وما الذي تطمحون إليه؟

أطمح أن يحصل ما كان يجب أن يحصل منذ نهاية الحرب وحتى اليوم. أن يتحدَّث اللبنانيون مع بعضهم البعض. وهذا ما لم نشهده في التسعينات ولا في العام 2005 ولا حتى بعد الحرب الأخيرة على لبنان. الأشياء حين تبقى في القلوب ستنفجر في آخر المطاف، يجب أن تخرج الضغائن في إطارها الصّحي. الإطار الصحي هو مؤتمر وطني مثلما كان الواقع في كلّ الدول التي مرّت بتجارب صعبة مماثلة للتجربة اللبنانيّة (جنوب أفريقيا، يوغسلافيا، إيرلندا). هذه الدول والشعوب أنجزت وقفة وجدانيّة، أدَّت إلى اتخاذ تدابير لتفادي تكرار ما جرى وبنت مستقبلها على أسس متينة. لا شيء يمنع الشعب اللبناني من التفكير بتجربة مختلفة، ربما كان بعضنا لا يحبُّ المصارحة مع الآخر، يمشي في التكاذب والخبث في بعض الأماكن، ننتظر بعضنا على المفارق ونحاول تجميل الأذى. السؤال هنا: لماذا نتعاطى مع بعضنا البعض على هذا الأساس؟ كلّ ما نحتاجه هو الوضوح، لنتحدث في الأمور كما يجب، لبناء علاقات قائمة على الصّدق والصراحة، بعيداً من التكاذب والباطنيّة. إذا أردنا الوصول لمكان أفضل يجب علينا تغيير الطريقة، كي لا نكرر تجربة الانقسام والحروب والقتل والتقاتل والدَّمار، لنجرّب شيئاً آخر، الوضوح والصراحة. كلامي هو دعوة لقول الأشياء كما هي بلا خوف وبلا أقنعة وبلا هرب من انتقادات أو قول الحقيقة للآخر. لنجرّب هذا ولو لمرّة واحدة!

تتحدث عن اللبنانيين ككلّ، ومن ضمنهم حزب الله وقراره الخارجي، وما يقوم عليه كفكرة غير لبنانيّة؟

تحدَّثت عن هذه النقطة في كلمتي بمجلس النواب، وقد ربطتُ “المصارحة والمصالحة بشرطين: الأوّل هو الانتماء للخارج الذي لا يمكنُ معالجته بحوار، إما أن تكون أولويّتك لبنان وبالتالي نحن مجبرون على التفاهم سوية، أو أن لديك قناعات ومشاريع أخرى.

الشّرط الثاني هو السِّلاح. لا مصالحة حقيقيَّة بوجود سلاح لدى الطَّرف الآخر، كيف يمكن للمصارحة أن تتمّ بوجود السّلاح. لضمان نجاح عمليَّة المصارحة عليهم أولاً التخلي عن أي مشروع خارجي، وثانياً المساواة وانعدام السّلاح لدى كل الأطراف. هذه العوامل كفيلة بنجاح “المصارحة والمصالحة”. لا يكفي القيام بمسار المصالحة إلا لمرّة واحدة وعلى أكمل وجه، ولضمان النجاح يجب توفير شروطه الأساسية التي ذكرناها سابقاً.

كيف يمكن إصلاح النظام الطائفي في لبنان مع الحفاظ على حقوق الجماعات والأفراد؟

المشكلة في لبنان ليست دينيّة، هي هويّاتية وانتماءات لمجموعات خارجيّة أكثر مما هي دينيّة. وبالتالي هذا الانتماء عمره مئات السنين، يجب الاعتراف به وتحويله إلى غنى، وفي الوقت ذاته يجب البحث عن قاسم مشترك بين اللبنانيين. لا يبنى لبنان إلا من خلال عاملين أساسيين: أولاً الاحترام والاعتراف بتعدديّة المجتمع اللبناني، وثانياً بناء مواطنة مشتركة وانتماء للبنان. لا يمكن أن نحافظ على التعددية والتنوع من دون بناء المواطنة، لأنّ ذلك يؤدي إلى التقسيم، الدّول التي تشبهنا هكذا صُنعت. سويسرا مثالاً: السويسريون بنوا شعور انتماء لهذا البلد، هناك في سويسرا لغات ثلاث ألمانية وفرنسية وإيطاليّة، النشيد الوطني أيضاً من 3 لغات. تجسيدُ الاعتراف بالتنوّع وبالإضافة لحريّة التعليم للغة الخاصة. باختصار كل اعتراف من قبل الدولة بالتنوّع والتعدّدية، هو في الوقت ذاته خطوة في مسار بناء الدولة لتشمل كل أبنائها.

نسأل هنا عن موقع الدستور في هذا الخطاب؟

كل ما نطرحه يقع تحت سقف الدستور، ما تبقّى هو آليات لإدارة المؤسسات. الركيزة الأساسيّة هي الدستور، كذلك المصارحة وإعادة تقييم تجربتنا لأننا في مرحلة التقييم ربما نجد على الطريق ثغرات دستورية نسعى لتعديلها ضمن الآليات الدستورية الموجودة، الالتزام بالدستور غير قابل للنقاش بالنسبة لنا، نحن لا نؤسّس من الصفر وكلّ ما نجريه تحت سقف الدّستور، ومن خلال آلياته الدستورية.

كيف يمكن إعادة الثقة بين اللبنانيين والمؤسسات السياسية بعد سنوات من الاحتجاجات والانهيار؟

كل حزب لبناني قائم أو سينشأ سيكون له تجربة أمام الناس، تكسب الأحزاب ثقة الناس أو تفقدها بحسب أدائها ومقاربتها للملفات. هذا أمر يتعلق بنجاح كلّ حزب على حدة في عمليّة استعادة الثقة.

كيف تقيّم أداء الحكومة الحالية في التعامل مع استحقاقات الإصلاح وتحديداً مع الأزمة الاقتصادية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي؟
الحكومة عمرها شهران، لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن تقييم أداء الحكومة.

كيف يمكن تعزيز الأمن في لبنان في ظل التحديات الإقليمية وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة؟

لا وجود لاستقرار في لبنان إلا عبر استعادة الدولة لكامل سيادتها على كامل أراضيها، ولا يمكن ذلك إلا بسحب كلّ بندقيّة من يد كلّ لبناني خارج سيطرة الدولة اللبنانيّة. حينئذ سنكون أمام إنجاز ممتاز لنتوجّه إلى مجلس الأمن والتحالفات والعلاقات الدوليّة لضمان حماية لبنان. البداية من الدولة التي يجب أن تتحمّل مسؤوليتها لعدم استخدام أرض لبنان لحسابات غير لبنانيّة وحينئذ يمكن أخذ قرارات وتقييم ومبادرات.

في العشرين سنة الأخيرة تشكل المسرح السياسي حول حزب الله، في حال زال حزب الله ودوره وسلاحه، ماذا يمكن أن يكون الخطاب السياسي ؟

ما بعد مرحلة حزب الله، مرحلة السلاح، لبنان يجب أن يصبح بلداً طبيعياً. السياسة فيه مثلها مثل كلّ دول العالم، قائمة على برامج، وأفكار لها علاقة بالسياسة الاجتماعيّة والاقتصادية والتربوية، وحينئذ نكتشف الأحزاب التي تعمل بشكل فعلي على أرض الواقع.

ماذا عنكم كحزب الكتائب؟

لدينا طروحات وبرامج في كلّ قطاع من القطاعات وكيفيّة تطويرها، لا أعتقد أنّ الكثير من الأحزاب لديها هذه الميزة. غداً بعد مرحلة “حزب الله” ننتقل إلى الحياة السياسيّة الطبيعية ويكون الصّراع صراع برامج وتنمية.

تُمارس ضغوط على لبنان أقرب إلى المعادلة التالية: إما اتفاقية سلام مع إسرائيل وإما الحرب التدميرية. كيف يمكن التعامل مع هذا المأزق؟

حين كنا نطالب بسحب السلاح، كان العالم كله متواطئاً مع إيران وحزب الله لبقاء السّلاح، موقفنا هذا ليس مرتبطاً بأي موقف آخر. ما هو مطلوب اليوم هو استعادة السيادة وزوال وجود أيّ سلاح لا يحمي لبنان من حرب مدمّرة. طالما هناك صواريخ وأسلحة وتخطيط من قبل البعض سيبقى بلدنا عُرضة لهكذا هجمات. الطريقة الوحيدة هي الالتزام بوقف إطلاق النار واستعادة الدولة لكامل سيادتها.

بعد ذلك يجب على الدّولة المفاوضة مع إسرائيل لاستعادة حقوقها، الأسرى والحدود البرية التي يجب أن تترسّم كما ترسّمت الحدود البحريّة. ملف اللاجئين الفلسطينين وضمان عودتهم إلى أرضهم، ملف اللبنانيين المُبعَدين إلى إسرائيل يجب على الدولة التفاوض لإنهاء هذه الملفات كي لا تبقى عالقة. كما سبق للدولة وفاوضت بملف الحدود البحرية والأسرى وغيرها، على المنوال نفسه يمكننا السير. كلّ ذلك لتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية. وكيف للبنان أن ينتعش اقتصادياً ونحن أمام حرب متكرّرة ودمار وقصف وغارات طيران؟ كيف لنا أن نجذب استثمارات من دون تأمين الاستقرار؟

كيف تقيّم مسيرة حزب الكتائب من خلال المراحل التي مرّ بها؟

اضطرَّ حزب الكتائب للعبِ دور ليس دوره، وليس منوطاً به. واضطرَّ أيضاً لتحمّل مسؤوليّة لم تكن مسؤوليته. ولكنه رغم ذلك قاوم كحزب ببسالة، وبالتأكيد يمكننا القول لولا شباب الكتائب لما كان لبنان اليوم. طبعاً، كنا نفضّل عدم الخوض في هكذا تجربة، أساساً نحن لسنا مجهّزين لهكذا تجارب، فنحن حزب سياسي كان عمره 50 سنة لحظة اندلاع الحرب الأهليّة. خضنا المعارك وهدفنا الأوّل كان الدّفاع عن لبنان، والضّيع والأماكن والمنازل، والمعارك التي خضناها هي دفاعيّة، أي كنّا في موقع الدِّفاع عن النفس. بالطّبع حصلت تجاوزات، لا أحد يقدر على ضبط الأشياء والأحداث الدائرة ضمن حرب مفتوحة. ما يهمّنا اليوم هو معرفة قراءة هذه التجربة والتعلّم منها والعمل على عدم تكرارها والوقوع بمثيلاتها. نحذّر من إعادة تكرار الحروب، ومن أيّ احتلالات أو تجاوزات في المستقبل. من هنا تبرز ضرورة بسط سيادة الدولة، وتحصين العلاقات بين اللبنانييّن، وحصول مصارحة حقيقيّة بين الناس لمعرفة مكامن الأخطاء وقراءة وجهات النظر لنتمكّن من فتح صفحة جديدة، كي لا تتكرر هذه التجربة من جديد.

سؤال ختامي: بشير حي فينا لدى المسيحيين، رفيق الحريري لدى السنة، حسن نصرالله في اتجاه الأبديّة لدى الشيعة. متى تدفن الطوائف اللبنانيّة شهداءها؟

حين يستعيد لبنان سيادته الكاملة، وتتم المصالحة والمصارحة بين اللبنانيين، وتتحقق العدالة. يجب أن تذهب العدالة إلى أقصاها. لا ننسى الاغتيالات. لا نقدر على طيّ الصّفحة بلا عدالة التي تتطلّب محاسبة واعترافاً من الفريق الذي قام بهذه الأعمال، على الجاني الاعتذار عنها وتحمل مسؤوليته ومحاسبته ونيل عقابه. بالطبع هناك جراح مفتوحة، حين يختم الجرح ويتم تنظيفه، تبدأ المعالجة ليصار إلى تقطيبه بعدها من خلال تدابير دستورية أو قانونيّة.

محمود وهبة - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا