وزير الدفاع خلال استقبال المدير العام لأمن الدولة: أهمية التنسيق بين الأجهزة لتعزيز الأداء
عيّنة مما يُقال خلف الكاميرات... من بحر صور إلى قلب الحقيقة الشيعية
جلستُ على شاطئ صور في صيف 2022. صوت الموج كان يعلو تارةً ويخفت طوراً، كأنه يراقب ويحتضن في ذاكرته المالحة، الصوت الذي يعلو ليعبّر عن حرقةٍ أخفتها الترهيب والتخوين. إلى جانبي مجموعة من الشبّان من صور، رحّبوا بي بحفاوة وكرم جنوبي معهود، وكأنهم يعرفونني منذ زمن، وسرعان ما تحول الحديث العابر إلى نقاش عميق، حيث لم يتردّدوا في الإفصاح عن تعبهم في الطّائفة الشيعيّة وتشظّي إيمانهم بما سمّي يوماً مقاومة.
قال أحدهم: "وعدونا إنو المقاومة بتحمينا وبتمنع الفساد. بس نحنا خسرنا مصرياتنا متل الكل، والفاسدين حِميِتُن المقاومة، وما حدا حمانا". أضاف آخر: "دخلك وين المقاومة إذا عطينا إسرائيل كاريش؟". هذا اللقاء كان بعد الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، حين اعتبر كثيرون أن "حزب الله" قدّم ما كانت تطلبه تل أبيب. وسألني أحدهم يومها: "إذا اعترفنا بدولة إسرائيل بالترسيم، وأعطيناها اللي بدها ياه بالبحر، شو ضل من المقاومة اللّي بدّها تكبّها بالبحر؟ لشو بقي هالسلاح؟".
ذاك المشهد عام 2022، كان مؤشراً على تململ داخل البيئة الشيعيّة الحاضنة لـ "الحزب"، لكن لم يكن سوى بداية لما بات أكثر وضوحاً وصخباً بعد حرب 2023-2024. فالمزاج تغيّر واللهجة تبدّلت وما كان يُقال همساً صار يُتداول في الدوائر المغلقة بحرقة ووضوح، خصوصاً بعد الخسائر التي تراكمت. العبارات التي يعرضها هذا المقال ليست غريبة عن كل متحدّث مع لبناني من الطائفة الشيعيّة حتّى المناصرة لـ "حزب الله" أو المؤيّدة له على الأقلّ في مشروع "مقاومة إسرائيل". فما سمعته، من المؤكد أن كثيرين سمعوا مثله أو أكثر ليس فقط على لسان عامّة الشّعب، بل على لسان سياسيّين وإعلاميّين محسوبين على "الحزب" أيضاً.
"قرار الحرب كان غلط بغلط من الأوّل ومش مدروس... ما كفّانا دمار؟"، "نحنا شو جابرنا نضلّ حاملين قضيّة الفلسطينيين، ما بكفّينا شو اتدمّر بلدنا من وراهن؟"، "أنا بنيت فيلا بمليون دولار، إذا راحت، مين بيرجعلي ياها؟ قدّ ما يعوّضلي "الحزب" رح يدفعلي مليون؟"، "نحنا كلنا عارفين إنو كان في سلاح بين المدنيين وساكتين لأن حربنا مع إسرائيل عدوتنا… بس راحوا أبرياء بلا سبب"، "خلص واضحة، إيران باعتنا وعم بقاتلو فينا والعترة علينا!".
هذه عيّنات حقيقية مما يُقال، في الصالونات والمطابخ والأحاديث الجانبية. البيئة الشيعية ليست كتلة صمّاء، هي فسيفساء من الأصوات، تعبت من السياسات التي تُفرض عليها. منذ ما قبل 17 تشرين وما بعده مرّت هذه البيئة بمرحلتين: "قبل السحسوح وبعد السحسوح"، كما صار يُقال. من لم يلتزم بالصمت، كان يُهدَّد، يُحرَم، وربما يُضرب أو يُقتل. "حزب الله" لم يترك مساحة للاعتراض.
كل معترض خائن، صهيوني، حلالٌ دمه. لكن هذا الخوف لم يُلغِ وجود المعترضين... قيادة "حزب الله" تدرك ذلك جيداً ويظهر قلقها جلياً من خلال خطاب من هنا وفيديو ترويجي من هناك، تحاول عبرهما مخاطبة جمهورها الغاضب والمتعب، وتذكيره بعقائد كبيرة وانتصارات إلهيّة كي تحاول تجييشه من جديد وتأجيل سخطه.
السؤال الذي يفرض نفسه: "لماذا يتعجّبون من موقف نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي تذكّر بخطر إيران على لبنان، وتدعو إلى نزع سلاح "حزب الله" والعودة إلى اتفاقية الهدنة مع إسرائيل؟ فهذا لا يتطابق حصراً مع موقف محلّي من لبنانيين يعارضون "حزب الله"، بل يتماشى مع رأي كثر كانوا يؤمنون بقضيّة "حزب الله" واكتشفوا الحقيقة اليوم.
جزء كبير من الشيعة في لبنان، لم يعد يرى في هذا السلاح قوّة، بل عبئاً. لم يعد يرى في هذه الحرب بطولة، بل انتحاراً جماعياً. لم يعد يريد أن يموت "فداءً لأحد" بل أن يعيش من أجل أولاده.
هذه البيئة كانت محكومة بالخوف. والوقت قد حان لتتحرّر. فهل يخاف المرء من التهديد بالقتل وهو يُقتل كلّ يوم مجازياً وفعلياً؟ هل يخشى التهديد بلقمة العيش هو الذي تدمّر كل جنى عمره أصلاً؟ الموت الذي يحيط بها اليوم، لا يشبه الموت "المقدّس" الذي باعوه لهم لسنوات. صاروا يعرفون أن هذه القوة، وهم.
إن تجرّأ "الشيعة" على كسر هذا الصمت، لن يكونوا مستضعَفين، كما يقول لهم المستفيدون من صمتهم. بل سيكونون طليعة مشروع وطني، حرّ وشجاع. الشرعية وحدها تحمي، أما السلاح الخارج عنها، فلم ولن يقدّم إلا الموت. موت لا يكون نتيجة صاروخ فقط، بل هو أيضاً بعد استسلام للوهم في التعلّق بانتصارات غير مقنعة. آن الأوان أن تختار هذه البيئة الحياة لا انتظار موت يتنكّر بألف وجه.
ماريان زوين - "نداء الوطن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|