صواريخ جنوباً وعشائر شرقاً: لا إصلاح بلا سيادة
ما يجري على الحدود اللبنانية، شرقاً وشمالاً وجنوباً، لا يظهر أخطاراً تحدق بلبنان من خارج حدوده فحسب، وإنما يظهر خلافاً لبنانياً داخلياً عمره عقود، اسمه السيادة، واسمه أيضاً احتكار قرار السلم والحرب، ساعةً من قبل حزب، وساعةً عبر “الأهالي” و”العشائر”.
اشتعلت الحدود اللبنانية، وكادت تطيح بما بقي بعد حرب إسرائيلية ضروس لا تزال تتكشف تداعياتها وتبعاتها يوماً بعد يوم. ولئن كشفت الأحداث على الحدود مع سوريا، عن خطر داهم من الوضع الناشئ هناك، جرّت الأحداث على الحدود الجنوبية مزيداً من الأخطار الإسرائيلية على لبنان.
اشتعال الحدود اللبنانية يتأتّى من خطرين؛ القوات المسلّحة في سوريا، وإسرائيل. لكن شرارة الأحداث ليست على الحدود، بل في الداخل اللبناني. جوهر المشكلة هنا، وليس هناك. المشكلة في لبنان وليست لا في سوريا ولا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا لا ينفي الخطرَين، ولا يبررهما إطلاقاً.
نفيان للإثبات؟
قبل أسابيع، اندلعت اشتباكات عنيفة بين عشائر لبنانية مسلّحة وقوات سورية، كادت أن تطيح بما تمّ إنجازه حتى يومها، بدءاً من انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وانتهاءً بانتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس جديد للحكومة، ووضع البلاد على سكّة التعافي والإصلاح عبر ملء المراكز الشاغرة لانتظام عمل المؤسسات. إبان الاشتباكات، خرجت أصوات تنادي بضرورة الاحتفاظ بسلاح حزب الله، تحسّباً لـ “خطر” قادم من سوريا.
قبل أن تنتهي الاشتباكات تلك، أعلنت إسرائيل عن اعتراضها ثلاثة صواريخ أُطلقت من لبنان، شنّت على إثرها سلسلةً من الغارات قالت إنها استهدفت خلالها مراكز ومخازن وقياديين لحزب الله. ساعات بعدها، أعلن الجيش اللبناني عن العثور على ثلاث منصات بدائية لإطلاق الصواريخ شمالي نهر الليطاني.
إلى الآن لم تتبنَّ أيّ جهة عملية إطلاق الصواريخ القديمة تلك، والتي للمناسبة ليست حكراً في لبنان على أحد، فقد كشفت الاشتباكات بين العشائر وقوات سورية، أنها موجودة لدى الأولى، بل موجود ما هو أكثر تطوّر منها، فهي لديها: صواريخ “كورنيت”.
نفى حزب الله أيّ صلة له بالحدثين، نفياً قاطعاً، وسارع إلى إصدار بيانَين في هذا الخصوص، لكل حادث بيان يقطع أي صلة بينه وبين الحزب. لكن الكلام الداخلي الصادر عن جهات كثيرة تدور في فلك حزب الله وتذود عن سلاحه، والذي يدعو إلى الاحتفاظ بسلاح الحزب، ساعةً عبر البحث عن مبررات له شرقاً وشمالاً، من الفصائل المسلّحة المنتشرة هناك، إلى أحداث الساحل السوري، وساعةً جنوباً بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
أكثر من ذلك، يهدد هؤلاء بأنّه إذا لم يحتفظ حزب الله بسلاحه ويستخدمه دفاعاً عن لبنان، فإنّ أطرافاً أخرى ستؤدي هذا الدور وتقوم بهذه المهمة أو هذا الواجب: واجب الدفاع عن لبنان وحدوده وتحرير ما تبقّى من أرضه تحت الاحتلال، وهو الواجب المنوط بالدولة وحدها، جيشاً ومؤسسات عسكريةً وأمنيةً وسياسيةً.
تربط بين الحوادث، شرقاً وجنوباً، وشائج قربى كثيرة، وهدف واحد: زعزعة الاستقرار المزعزع أصلاً، وإعادة البلد إلى نقطة الخلاف الجوهرية الأولى: سلاح حزب الله، عبر تقديم خطرين يحدقان بلبنان ويدفعانه نحو اللجوء أو الاحتماء به، جيشاً وشعباً ومؤسسات.
هشاشة دواؤها السيادة
ما جرى على الحدود الشرقية للبنان، وكذلك الجنوبية، يظهر بوضوح هشاشة الوضع الداخلي اللبناني. وهي هشاشة لا يستقيم معها أي إصلاح، ولا تثمر أي خطوات إصلاحية أو برنامج إصلاحي. فما تنجزه الدولة، أو تسعى إلى إنجازه، داخلياً وعلى مختلف الصعد، سرعان ما تبدده صواريخ الكورنيت المنتشرة بين العشائر عند الحدود اللبنانية السورية، أو منصات بدائية الصنع، وصواريخ عفّى عليها الزمن في الجنوب، تكاد لا تتجاوز الحدود اللبنانية.
أبعد من ذلك، لا الصواريخ هنا وهناك، أي جنوباً وشرقاً، قادرة على التحرير أو فرض شروط لبنانية، أو حتى الردع. فترسانة حزب الله، بقضّها وقضيضها، عجزت مدعومةً سياسياً من الدولة اللبنانية ومن أنظمة وقوى كانت بين ظهرانينا، عن تحقيق أيّ مما سبق.
ففي وطن بلا سيادة، وفي قضايا لا إجماع وطنياً عليها، عبثاً تحاول. كل خطوة إلى الأمام، تليها عشر إلى الوراء. تاريخنا منذ الاستقلال يقول هذا. ذهبت دولة الاستقلال لحظة وقوع النكبة عام 1948، وذهبت دولة فؤاد شهاب باتفاق القاهرة، وذهبت الدولة اللبنانية كلها يوم صار الجنوب منصةً لإطلاق الصواريخ على إسرائيل… وعلى دول عربية عدة. لاحقاً ذهب الطائف كله عامي 2006 و2008 (اتفاق الدوحة) … وأخيراً عامَي 2023 و2024.
لا إصلاح بلا سيادة
لبنان اليوم تحت المجهر الدولي كما لم يكن في أي يوم من تاريخه. موازين القوى إقليمياً ودولياً ليست لصالحه. في البيت الأبيض مجنون اسمه دونالد ترامب، يرى القضية الفلسطينية مجرّد خلاف عقاري حلّه في جعبته. في إسرائيل متطرفون وطلّاب سلطة وأصحاب مشاريع توراتية توسعية لا تنتهي حدود إسرائيل فيها. وفي سوريا نظام جديد يسعى إلى ترسيخ دعائمه بأيّ ثمن. أما في لبنان، فعهد جديد يرفع الإصلاح برنامجاً دونه المال… والسيادة.
شرط الإصلاح السيادة. بلا سيادة، تذهب الخطوات والإجراءات الإصلاحية في لبنان، على ندرتها، أدراج الرياح. فما نفع جيش وطني لا يحتكر حمل السلاح وحيازته؟ وما فائدة الإصلاحات المالية في بلد على كفّ عفريت؟ وما جدوى ملء الشواغر في مؤسسات دونها ودون ممارستها مهامها وواجباتها، سلاح وأهالٍ وعشائر؟
تشتعل على الحدود لئلا تشتعل في الداخل. لكنها بذلك تصوّب على الهدف الحقيقي: السيادة. فحتّامَ ننقسم إلى إصلاحيين وسياديين، ونرجع بخُفّي حُنين: لا إصلاح ولا سيادة… ولا وطن؟
أيمن جزيني - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|