دمشق- القاهرة: الطريق لا تزال وعرة
برغم المحاولات المستمرة التي تقودها السلطات الانتقالية السورية لفتح الأبواب المغلقة مع مصر، ولتوسيع العلاقة السياسية التي انقطعت تقريباً بين البلدَين بعد سقوط النظام السابق، وصعود جماعات متشدّدة إلى سدّة الحكم بصورة أثارت قلق القاهرة، لا تزال هذه العلاقة فاترة وتخضع لعملية «فحص دقيق» من قِبل السلطات المصرية. وتجلّت آخر فصول ذلك في رفض مصر، عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، ترشيحات قدّمتها سوريا لتعيين سفير لها في القاهرة، وهو ما كشف، إلى جانب إصرار الأخيرة على التريّث في خطواتها نحو دمشق، عن أزمة مركّبة في طبيعة العلاقات بين البلدَين، اللذين كانا يتمتّعان بعلاقات أمنية وعسكرية فوق سياسية، انهارت مع انهيار النظام السابق.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر سورية مطلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، عن دور سياسي خليجي في دفع العلاقات بين القاهرة ودمشق، وذلك عبر نقل رسائل غير مباشرة بين الطرفَين، «منعاً للحرج»، وسعياً إلى الوصول إلى الصيغة الأمثل للطرفين، وخصوصاً في ما يتعلّق بالبعثة الدبلوماسية السورية. وبحسب المصادر، تَنظر السلطات الانتقالية إلى تلك البعثة باعتبارها «الخطوة الأكبر» على طريق عودة العلاقات، التي تريدها أن تكون «أكثر من دافئة»، وفق تعبير المصادر، التي أشارت إلى دور كبير منتظَر من مصر في قطاعات عديدة، أبرزها قطاع الطاقة.
وكانت تسريبات صحافية تحدّثت عن رفض القاهرة قبول محمد طه الأحمد، الذي يشغل منصب مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، رئيساً للبعثة السورية، من دون تحديد السبب المباشر لهذا الرفض، مضيفة أن السلطات الانتقالية قدّمت إلى مصر مروحة من الأسماء لاختيار ما يناسبها. وتأتي هذه الخطوة بهدف «إزالة العقبات الأمنية والسياسية»، و«تقديم التطمينات التي تريدها مصر لبدء علاقات سليمة بين البلدَين»، وفقاً للمصادر، التي أشارت إلى أن السلطات الانتقالية في سوريا «تتفهم مخاوف مصر»، في إشارة إلى مخاوفها الأمنية بسبب وجود مقاتلين مصريين في صفوف الفصائل السورية، بعضهم باتوا يملكون سلطة كبيرة في هيكلية النظام الجديد، وضمن وزارة الدفاع الناشئة.
ورغم أن مروحة الترشيحات الجديدة تضمّ، وفق التسريبات، أسماء ترى السلطات الانتقالية أنها ستكون «مقبولة» لدى القاهرة - خصوصاً أن أصحاب بعضها جاؤوا فعلياً من خلفية دبلوماسية، من مثل يحيى دياب الذي يحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق و شغل قبل عام 2011 مناصب عدّة في البعثات السورية في إيطاليا والإمارات والكويت -، ترى المصادر أنه «من المبكر جداً الحديث عن علاقات سياسية على مستويات رفيعة».
ومع ذلك، فإن الجمود السياسي لم يؤثّر على جوانب أخرى، بما فيها الجانب الاقتصادي. وفي هذا الإطار، عقد وزيرا الطاقة السوري محمد البشير، و البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، اجتماعاً موسعاً على هامش «المنتدى العالمي للطاقة» في واشنطن، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدَين في مجالات البترول والغاز. واستعرض الوزيران مستجدّات تنفيذ مذكرة التفاهم الموقّعة بين البلدَين في مجال الغاز الطبيعي، بما فيها متابعة الإجراءات الخاصة باتفاقية توريد الغاز عبر خط الغاز العربي. كما بحث الجانبان فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة في سوريا عبر الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية، وفي مقدمها «إنبي وبتروجت»، فضلاً عن التعاون في مجالات التدريب الفني وبناء القدرات وتبادل الخبرات.
وفي المحصلة، يبدو أن الطريق أمام انفتاح حقيقي بين دمشق والقاهرة لا يزال طويلاً، وذلك تبعاً للتحفظات المصرية المستمرة، وللسياسة التي تتبعها دمشق، والتي لا تزال تعمل على بناء نظام حكم مركزي تؤدي فيه كوادر «هيئة تحرير الشام» دور القيادة. وهذا من شأنه أن يضع العلاقات مع مصر تحت مجهر الاختبار الدائم، خصوصاً أن شكل العلاقة الذي تسعى إليه القاهرة يهدف إلى تحقيق توازن إقليمي، يرتبط بالأمن القومي المصري، وليس التبعية أو النفوذ الذي تتطلّع إليه دول الخليج في مقاربتها للملف السوري.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|