الصحافة

صرخة أب… ووجع وطن

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كأنك اليوم تسلّمت وجعنا جميعًا، أو لعلّنا سلّمناك ما عجزنا عن احتماله بعدما أثقلتنا الخسارات وأرهقتنا سنوات من الانتظار والدموع. خرجت تصرخ باسم البطل وتمشي خلفه بخطوات أثقلها الحزن وأضناها الفراق، فيما كانت السماء تنصت إلى قلب أبٍ يتصدّع بصمت. لم تكن تسير خلف ابنك الشهيد الرائد إيلي الخوري وحده، بل كنت تحمل على كتفيك وجع وطن كامل، وطن اعتاد أن يودّع أبناءه الواحد تلو الآخر، وأن يفتح أبواب الحداد قبل أن تكتمل أفراحه، وأن يدفن أحلام شبابه قبل أن يروا مواسم الحصاد.

في تلك اللحظة، لم يكن النعش يحمل جسد شهيد فقط، بل كان يحمل أعمارًا كان يمكن أن تُعاش، وضحكات كان يمكن أن تملأ البيوت، ومستقبلا كان ينتظر صاحبه على عتبات العمر. وكلما ارتقى شهيد من أمثال إيلي ورفاقه، يُمحى سطر جديد من كتاب الوطن، ويُقتطع جزء من روحه وذاكرته وأمله. فالشهداء لا يرحلون وحدهم، بل تأخذ معهم البلاد شيئًا من نبضها، وتترك خلفهم فراغًا لا تملؤه السنوات.

كم من الأبواب أُغلقت على دموع لا تجف، وكم من الأمهات والآباء جلسوا أمام الصور يستحضرون الوجوه والأصوات والتفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع معنى الحياة. وكم من العائلات تحوّلت أيامها إلى انتظار مستحيل لخطوات لن تعود، وإلى حوار دائم مع الغياب. إنها خسارة لا تُحتمل، لأنها لم تكن نتيجة خيار اتخذه هؤلاء الشباب، ولا ثمنًا لحلم شخصي، بل جاءت في زمن لم يكن معظم الناس يملكون فيه قرار الحرب ولا قرار نهايتها.

وحتى لو اقترب الخلاص، فلن يعيد ما تكسّر في النفوس. فالبشر تكسّروا قبل الحجر، والقلوب تهدّمت قبل البيوت، والأمل أصابه من النزف ما أصاب الأرواح. شلال الدماء الذي لم يجف بعد جرّدنا من أجمل ما نملك: شبابًا كانوا زينة العمر، وأرضًا رُويت بالعرق والدم، وأحلامًا بسيطة كانت تستحق أن تكبر وتزهر وتمنح أصحابها حياة طبيعية تشبه أحلام البشر.

إلى متى سنبقى أسرى صانعي الخراب وتجار الدماء والأوطان؟ إلى متى يبقى العقل وحيدًا أمام هذا الكم من الإنكار والرهانات القاتلة؟ لقد تعب اللبنانيون من دفن أبنائهم ومن تكرار المآسي ذاتها، وتعبوا من دفع أثمان خيارات لم يشاركوها ولم يختاروها.

نقولا يا أخي، لقد سبقتك إلى مواراة الأشلاء والوقوف فوق الركام، وإلى عدّ الخسارات التي لا تُعد، لكن صرختك التي ارتفعت نحو السماء لم تكن صرخة أب مكلوم فحسب، بل كانت صرخة وطن بأكمله. كانت وجعنا المشترك، ودمعتنا الجماعية، وصلاة شعب أنهكته الجراح. نؤمن بأن الرب يسمع تلك الصرخة التي خرجت من قلب منكسر، وأنه وحده القادر على أن يسكب السكينة في قلبك، وأن يخفف ثقل الغياب، وأن يطفئ نار الفراق التي تلتهم الأرواح. أما إيلي، فسيبقى حاضرًا في ذاكرة الوطن، وفي ضمير كل من آمن بأن الذين يرحلون وهم يرددون "أقسم بالله العظيم أن أقوم بواجبي كاملًا، حفاظًا على علم بلادي، وذودًا عن وطني لبنان" لا يغيبون، بل يتحولون إلى جزء من الحكاية التي لا تموت.

داود رمال -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا