الشرع يعيد هندسة الأمن السوري... خطاب يقود مرحلة "حزب الله" وإسرائيل
شهادات مسعفين.. النداء الأخير إلى من تحت الركام: "في حَدَا هون؟"
بعد أربعة أشهر من المهمات الإسعافية والإنسانية تحت النار الإسرائيلية، بالكاد التقط مسعفو منطقة النبطية أنفاسهم. صحيح أن محيط المدينة ظلّ عرضة للاستهدافات والاعتداءات اليومية خلال الأسابيع الماضية، إلا أن وتيرة المواجهة أتاحت لهم أخيراً فسحة ضيقة ليتقاسموا مع عائلاتهم بعض تفاصيل الحياة «العادية»، وليبكوا رفاقهم الشهداء، ويتلمسوا آثار الجراح التي تركتها الحرب في أجسادهم وأرواحهم. في السطور التالية، يروي ثلاثة مسعفين من ثلاث فرق إسعافية مختلفة شهاداتهم عن أشهرٍ لم يتخلوا خلالها عن «واجبهم» في أقسى الظروف
عندما يُسأل علي نصر وفؤاد نحلة وعلي نصر الدين: ماذا ستكون أول ردة فعل لكم إذا عادت الحرب «الآن»؟ يبادر نصر إلى الإجابة بسؤال: «وهل انتهت الحرب فعلاً؟». فيما يقول نحلة: «نتحرك فوراً وفق خطة طوارئ تقوم على مسارين: الأول إجلاء العائلات المتبقية إلى أماكن آمنة، غالباً قرب المستشفيات، والثاني التوجه مباشرة إلى مواقع الغارات والاستهدافات». ويمازح نصر الدين محدّثه قائلاً: «أول شي... منهرب من هون لنحمي حالنا»، قبل أن يستدرك بجدية: «بس منرجع فوراً للمطرح اللي لازم نكون فيه. ما في مهرب من تحمّل مسؤولياتنا».
يجمع المسعفون الثلاثة، وجميعهم من منطقة النبطية، على أن الحرب الأخيرة «كانت الأصعب»، سواء من حيث حجم الدمار أو ظروف العمل تحت ضغط نفسي هائل، ولا سيما مع تعمّد الاحتلال استهداف الفرق الإسعافية، بذرائع ثبت بطلانها. يقول ناصر الدين: «في هذه الحرب صرنا نتحرك ونحن نشعر أننا أهداف محتملة في أي لحظة وفي أي مكان». ويضيف: «الإسرائيلي لم يعد يحتاج حتى إلى تبرير استهداف المسعفين، وحين كانت بعض الجهات الدولية تعترض، كان يكتفي بالقول: سنحقق في الأمر... ونعرف جميعاً ماذا تعني هذه العبارة».
ويقول نحلة إن جيش العدو استهدف المسعفين بصورة ممنهجة، رغم أن «مهمتنا إنسانية بحتة، ومن المفترض أن نحظى بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني». لكن، وفق نصر، «العدو، كعادته، لم يحترم أي مواثيق أو قوانين إنسانية دولية، وكان يريد من استهداف المسعفين أن يوجه رسالة مفادها أن لا شيء آمناً هنا، حتى تحوّلنا جميعاً إلى مسعفين استشهاديين».
أبعد من حدود الإسعاف
لم يغادر نحلة مكانه في مركز «إسعاف النبطية» المؤقت، القائم على تلة تشرف من جهة على مدينة النبطية، ومن الجهة الأخرى على منطقة الشقيف التي لا تزال، منذ وقف إطلاق النار، عرضة لاستهدافات وتفجيرات إسرائيلية شبه يومية.
عاش نحلة، وهو مسعف ومدرّس رياضيات، تفاصيل الحرب يوماً بيوم، شأنه شأن رفاقه الذين تولّوا مهمات الإسعاف والإغاثة تحت شعار «أبعد من حدود الإسعاف». وخلال تلك الأشهر، فقد الفريق ثلاثة من متطوعيه في استهدافين منفصلين. الأول وقع في 24 آذار 2026، حين استهدفت غارة إسرائيلية مباشرة سيارة إسعاف على أوتوستراد النبطية، ما أدى إلى استشهاد المسعفين علي جابر وجود سليمان. يقول نحلة: «كان المشهد قاسياً جداً علينا، لكننا اتخذنا في اللحظة نفسها قراراً بألا نتراجع، ونفذنا خمس مهمات إسعافية في اليوم ذاته». أما الاستهداف الثاني، فكان في مجزرة ميفدون التي استشهد فيها المسعف مهدي أبو زيد، وأُصيب خمسة مسعفين آخرين بجروح.
بين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرة الحرب، تبقى صورة واحدة لا تفارق نحلة: «كنا في جولة إغاثية داخل المدينة برفقة السفير البابوي، عندما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة قرب النادي الحسيني في النبطية، فتوجهت فوراً إلى المكان. عند وصولي، كان أحد الأشخاص يصرخ معتقداً أن شقيقته وأولادها داخل السيارة المستهدفة، لأنها كانت مشابهة تماماً لسيارة عائلته. لكن سرعان ما تبيّن أن السيارة تعود إلى أشخاص آخرين، وكان بداخلها ثلاثة شهداء».
لم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد. يضيف نحلة: «بعد لحظات، سقط صاروخ آخر على بعد أمتار قليلة مني، فاعتقدت أن المسيّرة تستهدفني أنا أيضاً. لم أتحرك من مكاني، وطلبت من زملائي الموجودين في الحسينية ألا يقتربوا حفاظاً على سلامتهم. سلّمت أمري لله، ودعوته أن يتقبّل مني ما كنت أقوم به. في تلك اللحظة، لم أشعر بالخوف... بل سرت في داخلي طمأنينة غريبة».
مجزرة في ميفدون
«في الحرب، لا يوجد دليل إرشادي يخبرك كيف تتحرّك أو كيف تحمي نفسك، خصوصاً عندما يتعمّد العدو استهداف فرق الإسعاف مباشرة»، يقول علي نصر الدين، مدير مركز ميفدون التطوعي في إسعاف «جمعية الرسالة». ومع ذلك، يحرص المسعفون على اتخاذ أقصى ما يمكن من احتياطات السلامة الشخصية. «لكن تبقى أولويتنا أن نصل إلى الجرحى وننقذهم».
يشرح نصر الدين أن أول ما يفعله المسعف عند وصوله إلى موقع الغارة هو إجراء مسح أولي بالنظر، ثم إطلاق نداءات من قبيل: «في حدا هون؟... حدا سامعني؟». ويضيف: «هذه النداءات العفوية أساسية، لأنها قد تلتقط استغاثة مصاب محاصر تحت الأنقاض. وقد حصل معنا ذلك مرات كثيرة، وكانت سبباً في إنقاذ أشخاص كانوا لا يزالون على قيد الحياة».
بعد أيام قليلة من وقف إطلاق النار، كان نصر الدين يقف أمام أحد المنازل المدمرة في ميفدون، عندما باغتته رائحة انبعثت من تحت الركام. خبرة الحربين الأخيرتين، كما يقول، جعلته يميّز تلك الرائحة فوراً. «عرفت مباشرة أنها رائحة أشلاء بشرية». ويضيف: «هذا لا يعني أننا بلا مشاعر، لكن علينا أولاً أن ننجز عملنا. بعد انتهاء المهمة فقط، نشعر بثقل ما رأيناه».
خلال الحرب، واجه المسعفون عشرات المواقف والمشاهد المؤلمة. يستذكر اتصالاً تلقاه من أحد أبناء بلدته يسأله عن مصير ابنه المفقود بعد غارة إسرائيلية. يقول: «عثرنا على شقيقين صغيرين. كان أحدهما حياً، وسحبنا جثمان الآخر في اليوم التالي، وإلى جانبه قطعة من جثمان شخص آخر قضى في الغارة نفسها».
بالنسبة إلى نصر الدين، هناك استهدافان شكّلا منعطفاً في مسار العمليات الميدانية في ميفدون وشوكين. الأول كان في 18 آذار 2026، عندما استهدف الاحتلال مركز الدفاع المدني التابع لـ«جمعية الرسالة» في مبنى البلدية، ما أدى إلى استشهاد عضو المجلس البلدي هزّان عياش وإصابة سبعة مسعفين في الجمعية التي قدّمت خلال الحرب الأخيرة 30 شهيداً و93 جريحاً في مختلف المناطق اللبنانية.
أما الحدث الثاني، فكان مجزرة المسعفين في ميفدون في 15 نيسان 2026، حين استشهد أربعة مسعفين هم: علي الهادي صبرا وسعيد حريبي من «الهيئة الصحية الإسلامية»، وفضل سرحان من «جمعية الرسالة»، ومهدي أبو زيد من «إسعاف النبطية». ويقول: «بعد تلك المجزرة، أصبح التحرك نحو ميفدون ومحيطها بالغ الخطورة، لكننا واصلنا مهماتنا، وأدرنا العمليات من مستشفى النبطية الحكومي بالتنسيق مع مركز النبطية التطوعي والإخوة في الهيئة الصحية الإسلامية، ولا سيما بعدما استهدف العدو جميع آلياتنا».
بعدنا عايشين.. ومكملين
في كل مرة يُعيد فيها علي نصر مشاهدة تسجيل الغارة التي استهدفته مع زميله علي عياش في 7 أيار 2026، في بلدة تول، يهمس لنفسه: «كيف بقينا عايشين؟». يومها، كانا في طريقهما لتنفيذ مهمة إسعافية بعد استهداف شقة سكنية. وقبل أن يترجلا من سيارة الإسعاف بلحظات، أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على المبنى نفسه، فتساقطت كتل الركام فوق سيارة «الهيئة الصحية الإسلامية» التي كانا بداخلها. يقول: «زمطنا بمعجزة... لا أحد يصدق أننا خرجنا أحياء».
وعلى بعد مسافة، يقف نصر أمام ركام مركز حاروف التطوعي التابع لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، والذي سوّته غارة إسرائيلية بالأرض، وألحقت دماراً واسعاً بمحيطه، وأدت إلى استشهاد ثلاثة من مسعفيه: علي السيد، وجعفر نصر، وفضل بواب. يشير إلى المكان بصمت، قبل أن يبدأ الحديث عن «شجاعة رفاقه الثلاثة وسيرتهم الطيبة في خدمة الناس». ولا ينسى أن يستذكر ثلاثة شهداء آخرين من مركز حاروف قضوا في غارات استهدفت منازلهم، إضافة إلى المسعف يحيى عياش الذي استشهد أثناء أدائه مهمته على طريق زبدين.
لم يكن سهلاً التأقلم مع غياب هذا العدد من الرفاق. يروي نصر حادثة لا تزال تؤلمه: «قبل فترة، وردنا بلاغ عن حالة مرضية تحتاج إلى نقل من حاروف إلى صيدا. فتحت مجموعة المركز على واتساب وانتظرت الرد... لكن ما حدا جاوب. وقتها بكيت. بعدها تواصلت مع الإخوة الذين ما زالوا على رأس عملهم، فكان جوابهم: بدنا نكفّي... هيدي وصية الشهداء، إنو نبقى مع أهلنا». ويؤكد «أننا سنعمل في المرحلة المقبلة بعزيمة وإصرار أكبر، وسنفتح باب التطوّع مجدداً. دماء 94 شهيداً وجراح 183 متطوعاً ستكون مشعلاً لنا لنواصل الطريق مهما كان حجم الصعاب».
فراس خليفة - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|