الصحافة

دموع ميسي ستجفّ وفرحة لامال ستخفّ وأما منطقتنا فستُزَفّ بالبطاقة الحمراء...

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

طوى "مونديال" 2026 صفحته الأخيرة أمس، بشكل أكثر من اعتيادي، أي بدموع غزيرة للخاسر، وبفرحة عارِمَة للفائز. وهذا أكثر من طبيعي.

 لا تقبُّل للخسارة...

وقد شكّلت نسخة 2026 دليلاً إضافياً على أن "الروح الرياضية" هي ابنة بيئتها، وليست منفصِلَة عن الموروثات الثقافية والتربوية والعائلية... الفردية والجماعية، لدى كل إنسان وبلد. كما أن النسخة "المونديالية" الأخيرة أكدت بالملموس أن لا شيء يقرّب بين الشعوب، وأنه رغم أن لا لغة للرياضة (والموسيقى، والرسم، والنحت، ومختلف أنواع الفنون...)، إلا أن كل شخص يستخدم موهبته بالاستناد الى بيئته وثقافته، والى مختلف أنواع الأفكار التي يعتنقها. وكل محاولات تأكيد ما يُخالف هذا الواقع، ليست صحيحة.

كما أن لا شيء اسمه "تقبُّل خسارة" لدى أحد حول العالم، حتى ولو كانت ضمن لعبة. وهذا شعور طبيعي، إذا تمّ ضبطه طبعاً، إذ لا أحد يحب أن يرسب في امتحان مثلاً. فالبطولات الرياضية تُشابه الامتحانات الرسمية، وهي مهمة جداً لسمعة وملفات كل لاعب محلياً ودولياً، وللأكثر نجومية منهم تحديداً.

ولكن تصل المغالاة في بعض الأمثلة الى حدود بعيدة جداً من المنطق، لا سيما لدى الشعوب والبلدان "دائمة الانتصار"، وذلك سواء كانت منتصِرَة بالفعل أم لا. وما أكثر هذا النوع من البلدان والشعوب في منطقتنا، مع الأسف.

الكارثة الكبرى

في عودة سريعة الى الخلف، والى ما قبل "مونديال" 2026، نجد مثلاً أن الصراع على جزر "فوكلاند" يعود الى الواجهة من جديد بين الأرجنتينيين والإنكليز، في كل مرة تتواجه فيها بريطانيا والأرجنتين في أي مباراة دولية، سواء كانت "مونديالية" أم لا. وعندما يفوز الفريق الأرجنتيني، تُصبح تلك الجزر أرجنتينية لليلة احتفالات كاملة، رغم أن الواقع يخالف نتائج أي مواجهة كروية.

وقد نجد مثلاً، أن التصارع على المستعمرات بين الممالك الأوروبية القديمة، وحروبها التاريخية، ومختلف أنواع التنافس القديم أو الحديث في ما بينها... قد يعود الى الواجهة من جديد أحياناً، في كل مرة تتواجه فيها فرق تلك البلدان ضمن مباراة دولية، سواء كانت "مونديالية" أم لا.

كما يمكن لجائزة أفضل لاعب في مباراة معينة، أو للتأهّل لدور الـ 16 أو لربع أو نصف النهائي... أن ينفض الغبار في منطقتنا عن كتب تاريخ الغزوات والحروب والصراعات بين المنطقة العربية والغرب، أو بين شعوب وبلدان الشرق الأوسط والعالم، وأن يتحول الى "فتح" عظيم يستعيد أمجاداً غابرة. بينما يمكن لخسارة مباراة أن تتحول بسهولة الى "استشهاد"، والى مؤامرة وحرب كونية على منطقة وشعوبها... مع استنهاض أحقاد، وخطابات محرّضة على العنف والكراهية، يمكنها أن تنتقل من منصات وسائل التواصل الاجتماعي الى أرض الواقع، لو كانت بعض الظروف الواقعية تسمح بذلك ربما.

أمور غريبة

أمثلة كثيرة يمكن الإشارة إليها في الحديث عن الجانب الكارثي "للمونديالات" في بلدان الشرق الأوسط، من بينها مثلاً ما يتعلّق بإعلان بعض الشخصيات السياسية تشجيعها لهذا المنتخب أو ذاك.

طبعاً، يحقّ لكل شخص أن يشجع المنتخب الذي يرغب به. وهذا أمر يخضع لمزاج شخصي في الأساس، بين من يفضّل الكرة الأوروبية على تلك التي تُلعَب في بلدان أميركا اللاتينية مثلاً، وغيرها من المعايير. ولكن ليس هذا ما يسمعه الناس من مسؤول لبناني أو عربي، عندما يعبّر عن تشجيعه لهذا الفريق أو ذاك.

ففي بلداننا، قد يتبارى بعض كبار المسؤولين بالإعلان عن تشجيع اللاعبين والمنتخبات العربية أو الشرق الأوسطية، ليس "لأنكم تتقنون فنّ اللّعب" جيداً، ولا "لأنكم النواة الأولى لبطولات مُستدامة في بلدكم"، بل "لأنكم رفعتُم رأس الأمة" مثلاً، وغيرها من العبارات التي قد توحي وكأن هذا المنتخب أو ذاك كانا يشاركان في غزو عالمي، وليس في بطولة رياضية.

وعندما تخرج فرق دول المنطقة من المنافسة، يتبارى بعض كبار المسؤولين في بلداننا في دعم منتخبات أجنبية، ليس لأنهم يحبّون هذه الكرة أو تلك، بل تبعاً لموقف هذه الدولة أو تلك من قضايا المنطقة. وهذا ليس كل شيء أيضاً، إذ يمكن لهذا المسؤول أو ذاك في بلد من بلدان منطقتنا أن يشجّعا الفريق الإسباني مثلاً، وأن يتحدثا عنه في عام 2026 تماماً كما لو كان منتخب الأندلس، لا منتخب إسبانيا، وهذا غريب فعلاً.

الدموع والفرحة

يبقى القول إن دموع ليونيل ميسي ستجفّ في النهاية، وإن الأرجنتينيين سيعودون الى إيقاع حياتهم اليومية عاجلاً أم آجلاً، فيما فرحة لامين يامال والإسبان ستخفّ مع مرور الوقت، إذ سيعودون هم أيضاً الى متاعبهم اليومية، والى متاعب بلدهم، والى الواقع الذي يؤكد لهم أنه لو دامت لهم في عام 2010 (السنة التي فازوا خلالها ببطولة كأس العالم لكرة القدم للمرة الأولى)، لما كانت عادت إليهم في عام 2026. وأما الكارثة الكبرى التي لن تخفّ أو تجفّ، فهي في بلداننا.

فبلدان الخارج تنظر الى البطولات الرياضة تبعاً لبيئتها وثقافتها، وهذا صحيح، ولكن لتتعلّم من النتائج أيضاً، ولتُحاسب على التقصير، ولتصحّح مكامن الخلل، ولتنطلق في بطولات رياضية جديدة مستقبلاً. وأما في بلداننا، فلا أحد يُحاسَب حتى ولو أشعل حرباً أو مواجهة مدمرة، تؤثر على ملايين الناس، وتدمر ما قد يستحيل إعادة إعماره في وقت لاحق

أنطوان الفتى - أخبار اليوم 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا