٢١ تموز ٢.٢٦… يوم بدأت المحرّمات السياسية في لبنان تهتز…
ليست كل زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض حدثاً استثنائياً، لكن بعض الزيارات تحمل في طياتها رسائل تتجاوز البروتوكول، وتؤسس لتحولات قد تعيد رسم المشهد السياسي اللبناني لسنوات طويلة. زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن تبدو واحدة من هذه المحطات.
منذ عقود، عاش لبنان أسيراً لمعادلة جعلت قرار الدولة موزعاً بين المؤسسات الشرعية ومراكز قوى فرضتها الحروب والصراعات الإقليمية. فكانت السياسة الخارجية، كما قرار الحرب والسلم، في كثير من الأحيان انعكاساً لموازين القوى في المنطقة أكثر مما كانت تعبيراً عن المصلحة الوطنية اللبنانية.
ما ميّز هذه الزيارة لم يكن فقط مستوى الاستقبال، ولا الأجواء الإيجابية التي رافقتها، بل الرسالة التي حاول لبنان إيصالها: أن زمن الدولة الضعيفة يجب أن ينتهي، وأن استعادة السيادة لم تعد شعاراً سياسياً، بل شرطاً لبقاء لبنان نفسه.
وفي هذا السياق، اكتسبت كلمات الرئيس جوزيف عون التي شكر فيها الرئيس دونالد ترامب على جهوده من أجل إحلال السلام في المنطقة أهمية خاصة. فهذه اللغة تختلف عن الخطاب اللبناني التقليدي الذي كان يكتفي بشعارات عامة، ويتجنب الاقتراب من الملفات الحساسة خشية الاصطدام بالتوازنات الداخلية أو الإقليمية.
الأكثر أهمية أن مجرد فتح النقاش حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل لم يعد من المحرمات كما كان في الماضي. لعقود، كان الموقف الرسمي اللبناني يؤكد أن لبنان سيكون آخر دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، انطلاقاً من ربط أي تسوية بحل شامل للقضية الفلسطينية. أما اليوم، وبعد التحولات التي شهدتها المنطقة، وبعد أن وقعت عدة دول عربية اتفاقات سلام وتطبيع، أصبح السؤال مختلفاً: هل يستمر لبنان في دفع أثمان صراعات لا يملك قرارها، أم يبدأ بالتفكير أولاً في مصلحته الوطنية؟
هذا لا يعني أن السلام بات وشيكاً، ولا أن قراراً بهذا الحجم أصبح جاهزاً، لكنه يعني أن سقف النقاش السياسي تغيّر. فما كان يُعد قبل سنوات قليلة خيانة أصبح اليوم موضوعاً مطروحاً للنقاش في الأوساط السياسية والإعلامية، مدفوعاً بواقع اقتصادي منهار، ودولة تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها واستعادة قرارها السيادي.
إن التحدي الحقيقي أمام الرئيس جوزيف عون لن يكون في تحسين العلاقات مع واشنطن فقط، بل في إثبات أن الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة القرار، وأن زمن السلاح الخارج عن الشرعية، وربط لبنان بصراعات الآخرين، يقترب من نهايته. فلا يمكن لدولة أن تنهض، ولا لاقتصاد أن يتعافى، ولا لاستثمارات أن تعود، فيما يبقى قرارها الاستراتيجي موزعاً بين الدولة وغير الدولة.
قد يختلف اللبنانيون حول الخيارات السياسية المقبلة، لكن ما لا خلاف عليه هو أن لبنان لم يعد يحتمل أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فإما أن يكون دولة كاملة السيادة، تقرر بنفسها متى تحارب ومتى تصالح، وإما أن يبقى يدفع ثمن حروب لا يقررها، وتسويات لا يصنعها.
وربما تكون الرسالة الأهم التي حملتها زيارة واشنطن هي أن العالم بات مستعداً لمساعدة لبنان… لكن بشرط واحد: أن يقرر اللبنانيون أخيراً أن يكون لبنان أولاً.
أخبار اليوم - ايليا غنطوس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|