الصحافة

جهاد أزعور والحاكمية... الأميركيون اتصلوا به ولا ضمانات للمهمّة "الانتحارية"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

برز اسم جهاد أزعور كأحد المرشحين المحتملين لحاكمية مصرف لبنان في مطلع عهد يحمل تركة أزمات وتحديات هائلة، وفي لحظة تعاد فيها صياغة التوازنات الداخلية. في المشهد السياسي والاقتصادي اللبناني، غالباً ما تطرح الأسماء للمناصب الحساسة وفق توازنات معقدة، وأحياناً في سياق "لعبة الحرق"!

في الواقع، بدا أن مسار التسميات للحاكمية وما رافقها من تجاذبات سياسية، لم يعكسا مقاربة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، للموقع وأكدا التضارب مع التوقعات المطروحة راهناً.

منذ عام 2022، بدأ التداول باسم أزعور خياراً للحاكمية، وتجدّد الطرح في 2023 عبر قنوات سياسية رفيعة المستوى، وصولاً إلى طلب رسمي من رئيس الحكومة حينها نجيب ميقاتي عبر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا. ورغم هذه الاتصالات، لم يكن أزعور معنياً بالمنصب، إذ أكد لها صراحة أنه ليس في هذا الوارد حين سألته عن الموضوع.
 
لم تكن حاكمية مصرف لبنان أولوية على جدول أعماله المهني، إذ إنه يدير حالياً عمليات صندوق النقد في أكثر من 30 بلداً، وأدّى دوراً محورياً في عمليات إعادة هيكلة الديون لدول مثل مصر وباكستان. وزير المالية اللبناني الأسبق يدرك أن شخصاً بخبرته قادر على القيام بدور مهم، لكن السؤال الأساسي بالنسبة إليه لم يكن هل هو مؤهل، بل هل الظروف في لبنان تسمح بإصلاح حقيقي.
 
التواصل الدولي معه حول موضوع الحاكمية، شمل اتصالات مباشرة من مسؤولين أميركيين بشكل خاص، وفرنسيين وسعوديين منذ بداية شباط الماضي، واستمر التواصل على أعلى المستويات لفترة. لكن موقفه كان واضحاً: لم يكن لديه اهتمام مهني بالمنصب، ولم يكن الأمر ضمن برنامجه أو تطلعاته.

ولم تكن القضية مرتبطة بالموقع بحد ذاته، بل بإمكانية تحقيق تغيير فعلي. كان من الممكن أن يدرس تولي منصب حاكم مصرف لبنان كـ"مهمة انتحارية" فقط في حال وجود إجماع سياسي كبير، وصلاحيات واضحة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة. وفي صميم نفسه، كان يدرك أنه إذا أراد الحاكم الجديد أن يعمل بجدية، فسيجلب لنفسه الكثير من "وجع الرأس".

بدا الأمر مغايراً لمرحلة طرح اسمه لرئاسة الجمهورية. حينها كان مندفعاً، ورأى أن لديه ما يقدمه في هذا الإطار، خصوصاً مع خلفيته الاقتصادية الصلبة  في توليد الحلول، وضرورة بناء اقتصاد على أسس عادلة، وليس فقط الاكتفاء بتضميد الجراح. علاقاته في المنطقة واسمه جعلاه أكثر حماسةً لهذا الدور، رغم أنه كان يدرك أن الأمر يتطلب تضحيات شخصية، إذ لا تستطيع عائلته العيش في لبنان راهناً. كان على يقين أيضاً بأنه لو بقيت جلسة الانتخاب قائمة، لكان اليوم رئيساً للجمهورية.

في شأن الحاكمية، تحاشى التواصل المباشر الرسمي مع أصدقائه، مثل غسان سلامة، وعامر بساط، وفادي مكي، وطارق متري، لإبعاد نفسه عن أي استغلال سياسي لاسمه. لم يكن على تواصل مع رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو وزير المالية في شأن الحاكمية، سوى عبر قنوات غير مباشرة، وأوصل رسالة واحدة: "لست معنياً ضمن المعطيات الراهنة إلا بوجود إجماع وضمانات بتطبيق الإصلاح".

لا يملك أزعور علاقة مباشرة مع رئيس الجمهورية جوزف عون، سبق أن التقاه مرة خلال زيارة خارجية، وهنّأه بعد انتخابه رئيساً.

رغم ذلك، بقي اسم أزعور يُستخدم في المناورات السياسية، وهو ما أزعجه كثيراً في المرحلة الأخيرة التي سبقت تعيين الحاكم الجديد. لم يكن قد أعطى تفويضاً لأحد لطرح اسمه، ولم يكن يسعى إلى الدخول في أي منافسة على الحاكمية بعدما اقتربت حظوظه من قصر بعبدا. 

الطريقة التي أُدير بها الملف لم تعكس حجم التحدي الاقتصادي الذي يواجهه لبنان، بل بقيت خاضعة للتجاذبات السياسية. لم يكن هناك نقاش استراتيجي حول كيفية إنقاذ البلاد، رغم أن لبنان يعيش "حرباً مالية أهلية" بكل ما للكلمة من معنى. حصل تلهٍّ هائل بصراع بين مصارف ووسائل إعلام ونافذين وجمعية "فكرية". لمَ كل هذا؟ 

حين تقدمت حظوظه الرئاسية، كان أزعور يجاهر بأن الحل يبدأ ببناء عقد اجتماعي جديد، تكون إعادة تكوين الطبقة الوسطى جزءاً أساسياً منه، ومعالجة الأزمة الاقتصادية وفق رؤية متكاملة، لا عبر حلول ترقيعية. لكن هذا المسار يحتاج إلى بناء الثقة، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المصارحة بالحقيقة، لا عبر تجاذبات سياسية تُفرغ الاستحقاقات من مضمونها، ولا عبر تحميل الضحية المزيد من الخسائر. 

في النهاية، قد لا يكون قراره الابتعاد عن سباق الحاكمية مجرد خيار شخصي، بل موقف يعكس عدم صلابة الإرادة السياسية الداخلية لإحداث تغيير جذري.

ديانا سكيني - النهار
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا