الصحافة

لحظة الحقيقة بين الدولة والمصارف والمودعين

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

إقرار مجلس الوزراء مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع" يشكّل اختباراً أخلاقياً وسياسياً بامتياز. فهو يطال جوهر طبيعة الدولة ومعايير العدالة الاجتماعية. وما سيقره المشرع حاسم، إذ سيعكس التحوّلات الجارية في العلاقة بين الدولة والنخب المصرفية والمودعين. فالتشريع، مرآة تعكس توازنات القوى القائمة.

اعترف مشروع القانون بالخسارة تحت تسمية "الفجوة المالية". فجوة نتجت من تمويل دولة غير كفؤة عبر المركزي والمصارف.

وزّع الخسائر، وتوزيع الخسائر مسألة سياسية وغير تقنية (Reinhart & Rogoff, 2009)، وفي ذلك قدرٌ من الشجاعة. فصراع نخب المصالح المكوِّنة للسلطة عطّل طويلاً الاعتراف بالخسائر وتحديدها، ما شرعن الانهيار، وفعّل اقتصاد الظل الذي استجلب ضغوطاً دولية أدت الى إقرار مشروع القانون.

تصدى للعجز الذي رحل المخاطر من الدولة إلى المصارف، فإلى المودع. وزّع الخسائر وفق تسلسل هرمي إلزامي بموجب مقتضيات بازل ثلاثة، ابتداء من المساهمين في المصارف مروراً بالأدوات الرأسمالية والمستفيدين من الأزمة وصولاً الى المصارف، فمصرف لبنان، وأخيراً الدولة.

حدد من يتحمّل كلفة الانهيار، وكيف، ومتى. حمّل المصارف خسائر إعادة تقييم أصولها وتمويل جزء من الودائع (%20 من قيمة الشهادات المدعومة بأصول) تحت طائلة دمجها أو تصفيتها أو وضعها تحت الوصاية.

حمى الدولة بعدم تحميلها الخسائر، رغم مسؤوليتها جراء ضعف كفاءتها وهيمنة النخب على قرارها.

فتحميلها الخسائر يؤدي الى تجفيف مواردها بخصخصة مرافقها. فتصير عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها والقيام بوظائفها، ما يعطل النمو. فتتعمق الأزمات البنيوية، ويتسرّع التفكك. أظهرت التجربة الأرجنتينية أنّ التقشف وخصخصة المرافق العامة استجابة للازمة أدّيا إلى الإفلاس، وترهّل الحوكمة، وتفكك الثقة، وتصاعد الشعبوية (Reinhart & Rogoff, 2009).

قسّم الودائع الى أربع فئات. فكرّس عدم مساواة بين مالكي السيولة الفورية، ومالكي الودائع المتوسطة والكبيرة التي ستتحوّل أوراقاً مالية طويلة الأجل، تعزز بأصول وإيرادات المركزي، وتُسدَّد على فترات تصل الى عشرين عاماً.

أناط إدارة الحساب الخاص لـتسديد الودائع بالمجلس المركزي الذي تسبب بالأزمة، ما يطرح أسئلة في مواءمة هذه الجهة.

أنِشأ الحساب الخاص الذي يتطلب ثقة لتعزيز قيمة الشهادات المالية التي يستصدرها. فالسوق الثانوية التي يحركها العرض والطلب تحدد أسعار الأوراق وتقتطع ما تشاء من قيم الودائع.

لم يرسِ القانون أسساً لمحاسبة المسؤولين عن الأزمة

فرض القانون تعويضاً استثنائياً (30% على فئات من التحويلات إلى الخارج، والديون بالدولار، والمكافآت المفرطة)، وهذا جيّد. فلا يمكن إعفاء المستفيدين من الانهيار. بند يشكل تنازلاً نخبوياً محدوداً لاحتواء الغضب الاجتماعي الذي يبحث عن المساءلة. لكن هل تتمكن الدولة من القيام بذلك في ظل التعقيدات القضائية وقدراتها؟ استهداف عمليات سابقة وعدم المساواة بين المودعين يفتحا باب الطعن امام المجلس الدستوري.

ثمة مفاهيم فضفاضة تطرح تساؤلات عن حدود السلطة التقديرية، مفهوم "العمليات غير المنتظمة" مثلاً.

سيرسم القانون حتماً مسارات توزيع القوة والامتيازات، ولن يسهم في بناء عقد اجتماعي. فهو يركز على من سيدفع ثمن الانهيار، وليس على معالجة أسبابه التي لم تنتجها صدمة خارجية، بل أنتجها تراكم اختلالات بنيوية كشفتها عيوب السياسة الخارجية. فهل سنتحرر من الاقتصاد الدفتري المرتكز على الفوائد والتدفقات المالية بدل الإنتاج، من سيعالج أسباب العجز المزدوج المزمن في المالية العامة وميزان المدفوعات، من سيضع حداً للتواطؤ البنيوي بين السلطة والقطاع المصرفي، عبر مصرف لبنان؟

سيُمرر القانون إذا ما توافقت نخب المصالح. فالتشريع نتاج التفاوض بين هذه النخب التي تكوّن السلطة. والقوانين تترجم نظرية "الاستيلاء التنظيمي" التي تكلم عنها ستيغلر(1971) لتأمين مصالحها.

قانون "الانتظام المالي" هو قانون الممكن لا قانون المرتجى. فرغم كل عيوبه، إن أُقِرّ، سيشكّل شبه حلّ يهدف إلى حماية الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي، وسيضخ قدراً من الثقة اللازمة لتحريك القطاع المصرفي، الذي يبقى محرّك الاقتصاد الشرعي. فكلفة عجز الدولة أفدح بكثير من كلفة المحاولة بإقرار حل الممكن.

مازن عبود - النهار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا