الصحافة

هل وصلت العلاقات اللبنانيّة - السوريّة الى طريق مسدود؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

دخلت العلاقات بين لبنان وسوريا مرحلة جديدة، محمّلة بآمال كبيرة وتحديات معقّدة على الأرض. هذا التحوّل الجذري أعاد رسم المشهد السياسي بين البلدين الجارين، بعد عقود من النفوذ والهيمنة السورية المباشرة في بيروت، وفتَح الباب أمام شراكة أرفع مستوى من التنسيق الرسمي، لكنها اصطدمت سريعاً بأزمات لامست ملفات حسّاسة، تمسّ السيادة والإنسانية والذاكرة الجماعية لدى شعبي البلدين.

في هذا الإطار، برزت اللجان المشتركة بين بيروت ودمشق كآلية رئيسية لمعالجة القضايا العالقة: من ملف المعتقلين السوريين في لبنان، والمفقودين اللبنانيين في سوريا، إلى ترسيم الحدود البرية والبحرية، وملف النازحين السوريين والعودة الطوعية إلى المناطق الآمنة.

لكن رغم هذه الآليات، تصاعد التوتّر أخيراً بين أعضاء اللجان المشتركة، ما أثّر سلباً على المسار العملي لملفات بارزة، وأشعل مخاوف من تعثّر العلاقات أكثر من تقدّمها الموعود، وأهمّها: قضية النازحين السوريين في لبنان، وهو ملف حساس سياسياً واجتماعياً، لا يزال في صدارة المساعي الثنائية، فضلاً عن ملف ترسيم الحدود البريّة والبحرية، وتعزيز الأمن الحدودي.

وفي قراءة موضوعية لأسباب استمرار التوتّر، تعتبر مصادر سياسية مطلعة أنّ التوتّر لا يمكن فهمه فقط كخلاف حول نصوص قانونية، بل هو جزء من بناء علاقة متوازنة بين دولتين جارتين، تتشاركان تاريخاً معقّداً. وثمّة تفاوت في توقّعات كلّ طرف عن طبيعة العلاقة القانونية المقبلة، حيث تضع دمشق تركيزاً أكبر على استعادة مواطنيها، ومساءلة من تعتبرهم مطلوبين لديها، بينما تميل بيروت إلى التمسك بالإجراءات القانونية القائمة واحترام استقلاليتها القضائية. وهذا التصادم في المفاهيم لا يقلّ أهمية عن الفجوة في المصالح السياسية والتوازنات الإقليمية، وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق قضائي شامل بين البلدين، أكثر تعقيداً من مجرد صياغة نص قانوني.

وعلى الرغم من الخلافات في اجتماعات اللجان المشتركة، تلفت المصادر السياسية الى أنّ الحكومتين اللبنانية والسورية حاولتا إعادة ترميم العلاقات، على أساس من الاحترام المتبادل والسيادة المشتركة، وهو تحوّل مهم بعد سنوات من الممارسة التي اتسمت بتدخّل مباشر لصالح نظام الأسد في الشؤون اللبنانية.

وفي هذا السياق، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بيروت لأول مرة منذ سقوط النطام، في 10 تشرين الأول الفائت، ما اعتُبر مؤشراً قويّاً على رغبة دمشق في تعاون عملي وواضح على ملفات متداخلة. وقد تجسّدت هذه الرغبة في إطلاق لجان مشتركة، لمعالجة القضايا الأساسية بين البلدين، وهو ما سبق الإعلان عنه في أيلول من العام الفائت، حينما كشف الطرفان عن لجنة لمعالجة ثلاثة محاور رئيسة هي: ملف المعتقلين السوريين في لبنان، والمفقودين اللبنانيين في سوريا، وترسيم الحدود بين البلدين.

ورغم هذه الخطوة النوعية، حصل بطء في تنفيذ ما تمّ الإتفاق عليه، خصوصاً في ما يتعلق بالترتيبات القانونية، لاتفاقية التعاون القضائي بين البلدين، التي كان يُفترض أن يتمّ إنجازها خلال زيارة الوفد اللبناني برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري إلى دمشق في 20 تشرين الثاني المنصرم، أو الخروج من حالة "التفاهم النظري" إلى تنفيذ عملي ملموس.

وعلى الرغم من روح التعاون المعلنة، سجلت الاجتماعات الأخيرة حالة من التوتر بين أعضاء اللجان المشتركة من الجانبين. ووُصفت المباحثات بأنها "غير إيجابية"، وأن المسودة اللبنانية "كانت ضعيفة "في نظر الوفد السوري، ما عكس فجوة في توقعات الطرفين، وزاد الإحساس بوجود فتور في العلاقات الديبلوماسية..

في الوقت نفسه، تحدّثت تقارير سوريّة عن تأخر تنفيذ الاتفاق وتأجيل تسليم المعتقلين، رغم مرور عام على سقوط الأسد، ما أثار انتقادات للجانب اللبناني بخصوص "عدم التعاون الكافي".

رغم ذلك، تؤكّد المصادر أنّ هناك محادثات جارية بين اللجان القضائية من الطرفين، لإنهاء ملف المعتقلين ووضع إطار قانوني مشترَك، من خلال اتفاقية التعاون القضائي والأمني التي تنظم تبادل المعلومات، التعامل مع الجرائم المشتركة، وتحدّد الإطار الواضح لكيفية تسليم المطلوبين، لكن الاتفاق لم يُوقع بعد بشكل نهائي بسبب تعثّر المحادثات الأخيرة. وينتظر الجانب السوري أن يتقدّم لبنان باقتراح جديد قريباً، لا يكون محصوراً بالموقوفين، الذين صدرت الأحكام بحقّهم، والذين لا يتجاوز عددهم الـ 300 موقوف، مع استثناء المدانين بجرائم القتل والاغتصاب، سيما وأنّ الجانب السوري يفضّل أن يكون الاتفاق شاملاً ولمرّة واحدة فقط. فالوفد اللبناني حمل مشروع اتفاق يتضمّن تسليم المحكومين السوريين، لإكمال فترة محكوميتهم في بلادهم، واعتبر أنّ مثل هذه الخطوة يُمكن ان تُشكّل بداية لاتفاق أوسع، يشمل بقية الموقوفين والمحكومين السوريين في السجون اللبنانية.

وتشير المصادر السياسية إلى أنّ التوتّر المتصاعد داخل اللجان المشتركة بين البلدين، ألقى بثقله على العلاقات الثنائية، غير أنّه لا يعني بالضرورة انهيارا كاملاً للعلاقات اللبنانية – السورية، أو وصولها إلى طريق مسدود، لكنه يشير بوضوح إلى وجود اختلافات جوهرية في الأولويات والطموحات بين الطرفين. فبينما تسعى سوريا إلى تسريع تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه ،خصوصاً في ملفات تتعلق بالأمن والسيادة، تميل بيروت إلى التركيز على الأطر القانونية وضمانات حقوقية قبل أي تسليم أو تنفيذ عملي.

هذه الفجوة في الفهم والتطبيق، رفعت منسوب التوتر داخل الاجتماعات وأبطأت وتيرة التقدّم العملي، ما يجعل العلاقات تواجه اختباراً حقيقياً بين الاستمرار في الحوار أو التراجع إلى حالة الجمود التقليدية التي عرفتها في الماضي.

من هنا، تخلص المصادر السياسية إلى القول بأنّ العلاقات اللبنانية–السورية بعد سقوط نظام الأسد تجتاز منعطفاً حاسماً، فهي لم تعد علاقة هيمنة وتوجيه كما في العقود السابقة، لكنها أيضاً ليست شراكة سلسة بلا احتكاكات. اللجان المشتركة تمثل أملا في حلّ القضايا الأكثر حساسية بين البلدين، لكنها تواجه توتّراً حقيقياً يعكس تباين الأولويات والضغوط الداخلية والخارجية على كلا الطرفين. غير أنّ ما سيُحدّد مستقبل هذه العلاقة ليس فقط وجود اللجان، بل قدرتها على التوصل إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، مع احترام الحقوق والالتزامات القانونية والسيادية للطرفين، وإلا فإنّ هذه اللجان ستظل أكثر من مجرد منصة تفاوض، تعيد إنتاج الخلافات القديمة بصيغ جديدة.

دوللي بشعلاني-الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا